آراء

الرئيس و الملك و المجرم

23 مشاهدة قراءة 14 دقيقة

الكاتب : رامي مهداوي 

ثلاثة رجال وقفوا أمام المنبر نفسه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكنهم لم يحملوا الرسالة ذاتها، ولم يتحدثوا من الموقع الأخلاقي والسياسي نفسه. رئيس مُنع من الوصول إلى نيويورك، فحضر بصوته وغاب بجسده؛ وملك وصل إلى المنبر حاملاً مسؤولية وطنه وقضايا أمته، فدافع عن السلام والحق والإنسان؛ ورئيس حكومة إحتلال حضر إلى القاعة، لكنه اختار أن يتحدث من موقع القوة والحرب. ثلاثة خطابات، إذن، لكنها في العمق ثلاث صور مختلفة للسياسة: السياسة باعتبارها حقًا، والسياسة باعتبارها مسؤولية، والسياسة حين تنفصل عن القانون والإنسان.

الرئيس محمود عباس لم يُمنح فرصة الوقوف أمام المنبر بنفسه، بعد منعه من الحصول على التأشيرة اللازمة لدخول الولايات المتحدة، لكن غيابه الجسدي لم يمنع حضوره السياسي. لقد وصلت كلمته إلى الجمعية العامة عبر تسجيل مصور، وكأن المفارقة التاريخية تقول إن المنع يمكن أن يغلق بابًا، لكنه لا يستطيع أن يغلق قضية. فالرئيس هنا لم يكن يتحدث فقط باسم مؤسسة سياسية، وإنما كان يتحدث باسم شعب يصر على أن وجوده وحقوقه وتطلعاته ليست مسائل قابلة للحذف بقرار إداري أو بإجراء سياسي.

وهنا تكمن قيمة خطاب الرئيس الفلسطيني: أنه أعاد القضية إلى أصلها، إلى الإنسان وحقه في تقرير مصيره وحريته واستقلاله، وإلى الدولة التي يريدها الفلسطينيون دولة ديمقراطية ذات سيادة، تعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل. لقد تحدث عن غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية باعتبارها وحدة سياسية وجغرافية لا يجوز تفكيكها، وعن ضرورة الانتقال من إدارة الصراع إلى إنهائه، ومن التعامل مع نتائجه إلى معالجة أسبابه. الرئيس، في هذه الصورة، هو صاحب الحق؛ والحق لا يحتاج إلى تأشيرة كي يكون حقًا، ولا يفقد شرعيته لأن العالم تعب من سماعه، ولا يصبح أقل عدالة لأن أزمات أخرى أخذت مكانه في نشرات الأخبار.

ثم يأتي الملك عبدالله الثاني، في صورة مختلفة تمامًا. لم يكن في خطابه مجرد ملك يتحدث باسم الأردن، وإنما قائد دولة يدرك أن الجغرافيا تفرض على الأردن أن يكون حاضرًا في كل ما يتعلق بفلسطين والقدس والأمن الإقليمي، وأن محدودية الموارد لا تعني محدودية الإرادة أو القدرة على التأثير. لقد تحدث من موقع المدافع؛ المدافع عن الأردن وأمنه وحدوده ومياهه، والمدافع عن القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، والمدافع عن حل الدولتين، والمدافع في الوقت نفسه عن فكرة السلام باعتبارها مشروعًا سياسيًا لا مجرد شعار دبلوماسي.

ولهذا أعتقد أن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني يستحق أن يُدرس في الجامعات، ليس لأنه خطاب ملك عربي، وإنما لأنه قدم قراءة عميقة لطبيعة السياسة الدولية في زمن الإعلام السريع والأزمات المتلاحقة. فقد التقط جلالته فكرة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن السياسة، حين تحدث عن تراجع متوسط انتباه الإنسان أمام الشاشة، ثم نقلها إلى مستوى جيوسياسي بالغ الأهمية: ما الذي يختار العالم أن ينتبه إليه؟ وما الذي يختار أن ينساه؟ ومن يقرر أن أزمة ما تستحق الاهتمام، بينما تتحول أزمة أخرى إلى خبر قديم؟

هذه الفكرة وحدها تصلح لأن تكون موضوعًا أكاديميًا في العلاقات الدولية والإعلام السياسي؛ لأن العالم المعاصر لا يعاني فقط من أزمات كثيرة، وإنما يعاني أيضًا من قصر الذاكرة السياسية. وما لا يحظى بالانتباه يتراجع في سلم الأولويات، وما يتراجع في سلم الأولويات قد يفقد الضغط السياسي والدبلوماسي والإنساني الذي يحتاجه. لكن المأساة لا تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية، والطفل الذي يفقد منزله لا يستعيده لأن الكاميرات غادرت المكان، والمدينة التي تُدمر لا تعود إلى الحياة لأن العالم انتقل إلى خبر آخر.

من هنا كان خطاب الملك خطاب دفاع حقيقي عن الإنسان قبل أن يكون دفاعًا عن السياسة. لقد دافع عن الأردن، لكنه في الوقت نفسه دافع عن فلسطين، وعن القدس، وعن حق شعوب المنطقة في الأمن والسلام، وعن ضرورة ألا تتحول الأزمات إلى واقع دائم. وكانت رسالته الأساسية أن الدبلوماسية ليست ضعفًا، وأن الحوار ليس تنازلًا، وأن الدولة تستطيع أن تكون منفتحة على العالم ومتمسكة في الوقت نفسه بثوابتها ومصالحها. وهذه معادلة لا تستطيع الدول الصغيرة أن تتجاهلها؛ فالقوة ليست دائمًا في حجم الدولة، وإنما في قدرتها على تحويل موقعها السياسي والدبلوماسي إلى حماية لمصالحها ومبادئها.

ثم جاء بنيامين نتنياهو. وهنا تغير المشهد كله. فقد دخل رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى المنبر الذي يفترض أن يكون مساحة للحوار بين الدول، في وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات دولية واسعة بسبب الحرب في غزة والسياسات في الضفة الغربية، بينما غادرت وفود من عدة دول القاعة قبيل وأثناء خطابه احتجاجًا على حضوره أو على السياسات الإسرائيلية. وتحدث نتنياهو بلغة الحرب والانتصار والجبهات والتهديد، مؤكدًا أن إسرائيل ستنتصر، ومهاجمًا خصومها ومنتقديها، في مشهد عكس إلى حد كبير المسافة بين منطق القوة ومنطق التسوية السياسية.

وهنا يأتي معنى كلمة «المجرم» في عنوان هذا المقال. ليس باعتبارها حكمًا قضائيًا نصدره نحن، فالجريمة في معناها القانوني لها محاكمها وأدلتها وإجراءاتها، وإنما باعتبارها توصيفًا سياسيًا وأخلاقيًا لشخصية ارتبطت بحروب وبقرارات تواجه اتهامات خطيرة على المستوى الدولي. وقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات ترفضها إسرائيل ونتنياهو. لكن المسألة هنا أوسع من المحكمة نفسها؛ إنها تتعلق بالسؤال الأخلاقي الذي يجب أن يواجه كل سلطة تمتلك القوة: ماذا تفعل بالقوة عندما تصبح حياة الآخرين في مرمى قراراتها؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة ليس أن تمتلك الدولة القوة، وإنما أن تفقد القوة حدودها الأخلاقية والقانونية. فحين يصبح الأمن مبررًا مفتوحًا لكل شيء، وحين تصبح الحرب وسيلة دائمة، وحين يصبح المدنيون أرقامًا في معادلة عسكرية، تبدأ السياسة في فقدان معناها الإنساني. الدولة التي وجدت لحماية الإنسان يمكن أن تتحول، إذا غاب القانون والضمير، إلى أداة لإخضاعه، والقوة التي كان يفترض أن تكون وسيلة للحماية يمكن أن تتحول إلى غاية تبرر نفسها بنفسها.

وهنا تصبح المقارنة بين الرجال الثلاثة أكثر عمقًا من مجرد مقارنة بين خطابات. الرئيس الفلسطيني جاء ليقول: لي حق. والملك الأردني جاء ليقول: عليّ مسؤولية. أما نتنياهو، كما عكس خطابه، فقد جاء ليقول: لدي القوة. وبين الحق والمسؤولية والقوة تختصر المنطقة جانبًا كبيرًا من أزمتها التاريخية. الرئيس مُنع من الحضور، لكنه لم يُمنع من التعبير عن قضية شعبه. والملك امتلك المنبر، فاستخدمه للدفاع عن وطنه والقدس وفلسطين والسلام. أما نتنياهو فامتلك المنبر أيضًا، لكنه واجه مشهدًا دالًا عندما غادرت وفود قاعة الجمعية العامة احتجاجًا على سياساته وخطابه.

التاريخ لا يقيس القادة بعدد التصفيقات التي يحصلون عليها في القاعات الدولية، ولا بعدد الكاميرات التي تلاحقهم، ولا بارتفاع نبرة أصواتهم. التاريخ يطرح سؤالًا أكثر قسوة: ماذا فعلتم بالإنسان عندما امتلكتم السلطة؟ ومن هنا فإن خطاب الرئيس عباس يستحق أن يُقرأ بوصفه خطاب شعب يصر على حقه في الوجود والسيادة وتقرير المصير، وخطاب الملك عبدالله الثاني يستحق أن يُدرس بوصفه نموذجًا للدبلوماسية التي تحاول الجمع بين حماية المصالح الوطنية والدفاع عن القيم الإنسانية، أما خطاب نتنياهو فيستحق أن يُقرأ بوصفه مثالًا على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها السياسة، حين تستند إلى القوة وحدها، إلى خطاب يبرر استمرار الصراع بدل أن يبحث عن نهايته.

ثلاثة رجال، إذن، وثلاثة دروس سياسية وأخلاقية. الرئيس يذكر العالم بأن الحق لا يحتاج إلى تأشيرة. والملك يذكر العالم بأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الإيذاء، وإنما في القدرة على حماية الوطن والإنسان معًا. ونتنياهو يضع أمام العالم، بأقسى صورة، سؤال القوة عندما تتحرر من حدود القانون والأخلاق. وفي النهاية، ليست القضية من كان صوته أعلى، ولا من استطاع أن يفرض حضوره أكثر، وإنما من استطاع أن يترك وراءه معنى يستحق أن يبقى.

ربما لهذا كانت فكرة الملك عبدالله الثاني عن "الانتباه" هي الأعمق بين الرسائل التي حملتها هذه الخطب. فالمستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما أيضًا بما نختار أن نتجاهله. وما يتجاهله العالم اليوم قد يصبح غدًا أكثر كلفة، وأكثر دموية، وأكثر صعوبة في المعالجة. ولهذا فإن مسؤولية السياسة ليست فقط أن تتحدث، بل أن ترى؛ وليست فقط أن تدافع، بل أن تحمي؛ وليست فقط أن تنتصر، بل أن تعرف ما الذي يعنيه الانتصار عندما يكون ثمنه إنسانًا آخر.

في النهاية، سيغادر الرؤساء والملوك ورؤساء الحكومات المنابر، وستنطفئ أضواء القاعات، وستنتهي التصريحات والمؤتمرات الصحفية. لكن ما يبقى هو أثر الكلمات في التاريخ. قد يُمنع رئيس من الوصول إلى المنبر، وقد يقف ملك أمام العالم مدافعًا عن وطنه وقضيته، وقد يصر رئيس حكومة على أن القوة هي الطريق الوحيد. لكن التاريخ، في لحظته الأطول، لا يحفظ من امتلك المنصة فقط، بل يحفظ من امتلك الحق، ومن حمل مسؤولية الحماية، ومن جعل من الإنسان معيارًا للسياسة.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، يصبح العنوان نفسه سؤالًا لا يحتاج إلى إجابة: الرئيس، صاحب الحق؛ والملك، المدافع الحامي؛ والمجرم، ذلك الذي يجعل من القوة بديلًا عن الحق، ومن الحرب بديلًا عن السلام، ومن الإنسان مجرد تفصيل في حسابات السلطة. أما الحكم الأخير، فليس لنا. إنه للتاريخ، وللقانون، وللضحايا الذين لا تملك ذاكرتهم رفاهية النسيان.