آراء

ماذا بعد التصويت الدولي اعتراضا على الموقف الامريكي!

3 مشاهدة قراءة 9 دقيقة

الكاتب حنا عميره/القدس

أكد تصويت 152 دولة (في العام الماضي كان عددها 145 دولة) عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، اعتراضا على الموقف الأميركي، غير المبرر وغير المفهوم بعدم منح الرئيس أبو مازن والوفد المرافق تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتخذة، أكد هذا التصويت الجارف مجددا، عدم الامكانية نهائيا حجب الحضور الدولي للقضية الفلسطينية، وان زمن الاملاء الاميركي الأحادي، قد ولى بغير رجعة. لكن هذا التصويت التضامني الهام مع الشعب الفلسطيني يجب الا يكون نهاية المطاف، كما ان الرهان الأميركي على تحصيل المزيد من التنازلات الفلسطينية او العربية يجب ان ينتهي بالفشل.   

ولغرض المقارنة وبهدف فهم الأسباب الحقيقية، وراء هذا الموقف الأمريكي، نورد أسماء بعض رؤساء أو قادة دول، كانت علاقاتهم مع الولايات المتحدة عدائية أو شديدة التوتر، ومع ذلك سمحت لهم واشنطن بدخول الأراضي الأميركية، لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وعلى سبيل المثال، شمل هذا السماح الأميركي الرسمي، قائد الثورة الكوبية الراحل فيدل كاسترو، والرئيس السوفييتي الاسبق نيكيتا خروتشوف وذلك في اوج الحرب الباردة، وهما كانا في مواجهة أيديولوجية واستراتيجية حادة مع واشنطن، وكذلك شمل سماح واشنطن بدخول أراضيها الرئيس جمال عبد الناصر على الرغم من علاقاته التي كانت  المتوترة جداً مع أمريكا، والرئيس الراحل معمر القذافي الذي كانت الولايات المتحدة تفرض عليه عقوبات والرئيس الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز الذي طالب بإخراج الأمم المتحدة من الأراضي الاميركية، والقائمة ليست قصيرة.

وفي الحالة الإيرانية، كانت واشنطن قد سمحت بدخول الأراضي الأميركية للرئيس الإيراني احمدي نجاد، الذي تتهمه بالإرهاب وبأزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية في طهران في العام 1979، وكذلك لرؤساء إيرانيين اّخرين، كان اخرهم في هذا العام الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي، رغم أن الولايات المتحدة وإيران في حالة حرب منذ شباط 2026، وهذا يجعل المقارنة الزمنية لافتة جداً،

فالرئيس الإيراني بزشكيان يسمح له بالدخول إلى نيويورك، رغم الحرب الأميركية–الإيرانية. وتعقد معه جلسات التفاوض، واما الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فهو الرئيس الوحيد من بين 130 رئيس ومسؤول دولي طلب تأشيرة دخول، يُمنع من الدخول إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة.

هذه التفاصيل تفتح باباً مهماً جداً، لفهم اسباب رفض واشنطن لتأشيرة أبو مازن، ولتحديد عما إذا كانت تمثل سابقة استثنائية، مقارنة بالتعامل الأميركي خلال سنوات سابقة مع قادة لا ترضى عنهم الادارة الاميركية، أم أن هناك اختلافاً اّخر يفسر هذه الحالة؟ 

من الواضح ان الاختلاف الأساسي الذي يمكن الإشارة اليه، هو رفض الإدارة الأميركية الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وفي البداية لا بد ان نذكر جيدا ان الإدارتين الأميركيتين الحالية والسابقة استخدمتا الفيتو خمس مرات على الأقل، لمنع وقف حرب الإبادة في غزة، 

اما ما تريده إدارة ترامب الان فهو:

 ان تحظر على الشعب الفلسطيني السعي لدى دول العالم، لنيل الاعتراف بحقوقه الوطنية المشروعة وبدولته،

وان تحظر عليه التعامل مع محكمة العدل الدولية او مع محكمة الجنايات الدولية، حتى لا يشكو على من أوقع عليه الظلم والاحتلال، ومارس حرب الإبادة ضده، 

وان تجبره على تغيير وتعديل مناهجه التعليمية بدعوى التحريض، 

وان تريد منه كذلك، وقف أي مساعدات لعائلات الاسرى والشهداء بدعوى تمويل الإرهاب، هذا بالإضافة طبعا الى مطلب اصلاح السلطة وفق التفسير او الاملاء الأميركي. وهذه الشروط ليست تحليلا او استنتاجا صحفيا، وانما بالفعل هي الشروط التي وردت في بيان الخارجية الامريكية، ورددها أكثر من مسؤول أميركي من بينهم وزير الخارجية، والتي عللت أسباب عدم منح الرئيس الفلسطيني والوفد المرافق تأشيرات دخول الى الولايات المتحدة. 

وهذا يعني من الناحية العملية، أن واشنطن أصبحت تربط علاقتها بالسلطة بثلاثة مسارات معاً هي: سلوكها الدولي والخارجي ومكافحتها للإرهاب والتزامها بالإصلاح الداخلي.

ما الذي تغير في الموقف الأميركي عن السابق؟ فعلى سبيل المثال التقى الرئيس ياسر عرفات الذي لم يكن على وفاق مع السياسة الأميركية، مع الرئيس الامريكي السابق كلينتون 23 مرة تقريبا، وخاض معه العديد من الاتصالات والمفاوضات، والرئيس أبو مازن نفسه أجرى مع أربعة رؤساء اميركيين متعاقبين، هم جورج بوش (الابن) وباراك اوباما ودونالد ترامب (نفسه) وجو بايدن العديد من اللقاءات والاجتماعات. 

اذن ماذا تغير في شكل العلاقة الفلسطينية مع الإدارة الأمريكية عن السابق؟  يبدو جليا ان الذي تغير هو التماهي الامريكي شبه الكامل مع السياسة الإسرائيلية، ويظهر ذلك بصورة جلية وواضحة في تعريف الشروط السياسية -التي باتت على شكل املاءات-التي تريدها واشنطن، قبل التعامل مع القيادة الفلسطينية، وهي نفس الاشتراطات التي تطالب بها إسرائيل وتحاول فرضها. 

والخلاصة السياسية المهمة هي ان القرار الأميركي الحالي، لا يقتصر فقط على منع منح التأشيرات، وانما يتسع ليشمل مجمل السياسات الفلسطينية، وكل ما تستمد منه القيادة الفلسطينية شرعيتها.  وهذا يعني ان الموقف الأميركي من السلطة والمنظمة، يأتي في إطار الضغط الأمريكي لإعادة تشكيل السلطة ووظائفها قبل أي دور لها في التسوية السياسية أو في مستقبل قطاع غزة. 

لكن الرد الفلسطيني الرسمي على هذه الضغوط والاملاءات الأميركية، كان ديبلوماسيا ومهذبا كالعادة، وهكذا أيضا كان رد القوى الوطنية والإسلامية، في بيانها الذي صدر في رام الله. وكذلك بنفس المعنى والمستوى صدر بيان ثالث، عن قوى فلسطينية أخرى بينها حركة حماس في القاهرة. 

وهذه الردود او المواقف يمكن تلخيصها بجملة بسيطة، تتمثل بالاعتراض القانوني والديبلوماسي الهادئ، وباللجوء إلى غطاء التصويت-دائما يبحث الموقف الفلسطيني عن غطاء، وفي هذه الحالة غطاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، والقبول بحل تقديم خطاب الرئيس عباس للجمعية العامة عبر الفيديو. 

ويمثل الاكتفاء بهذه الردود المحسوبة، عدم الرغبة في اغضاب الرئيس ترامب، واشارة الى الرغبة في استمرار الرهان على السياسة الأميركية، والاستمرار كذلك في انتهاج سياسة الانتظار الدائم للفرج! او لرئيس أميركي جديد منقذ، ويبقى السؤال عما إذا بقي من سياسة ترامب-وفق شروطها واملاءاتها- ما يمكن المراهنة عليه!