آراء

كل الطرق لا تؤدي الى القدس ..

147 مشاهدة قراءة 17 دقيقة

الكاتب : يونس العموري 

من رام الله الى القدس لا تحتاج المسافة الى كثير من الكيلومترات، لكنها تحتاج احيانا الى ساعات طويلة من الانتظار. تخرج من رام الله وفي بالك ان القدس قريبة، وان الطريق الذي تعرفه منذ سنوات لا يحتاج اكثر من وقت معلوم، ثم تكتشف ان المسافة ليست ما تقوله الخريطة، وان الطريق ليس طريقا بالمعنى الذي تعرفه الطرق، وان الوصول الى القدس يمكن ان يتحول فجأة الى امتحان طويل من الحواجز والاغلاقات وتكدس السيارات والانتظار الذي لا تعرف متى ينتهي. وفي الطريق الى القدس لا يعود السؤال كم بقي من الكيلومترات، بل كم بقي من الوقت، ومن الذي يقرر ان تتحرك ومتى تتوقف، وهل ستصل ام ستعود، وهل العودة نفسها ممكنة اذا علقت في الازمة.

بالامس، وفي كل يوم يشبه الامس، يتحول الطريق من رام الله الى القدس الى عذاب بكل ما تحمل الكلمة من معنى. سيارات متكدسة، حواجز مغلقة او شبه مغلقة، طوابير تمتد ولا تتحرك، ومحاولات لمعرفة ما الذي يحدث من دون ان تجد احدا يجيب. تنتظر، ثم تنتظر اكثر، ثم تبدأ في حساب الوقت لا بالساعة بل بما خسرته من يومك. موعد يتأخر، عمل يتعطل، زيارة تتحول الى قلق، ومدينة قريبة تصبح بعيدة فقط لان حاجزا قرر ان يجعل الطريق اليها طويلا. وحين تعلق في الازمة يصبح الرجوع ايضا مشكلة، فلا انت وصلت الى القدس كما خططت، ولا انت قادر على العودة الى رام الله بسهولة. تصبح عالقا بين مكانين، وكأن الطريق نفسه قرر ان يحتجزك.

وحين يطول الانتظار، يبدأ الناس في البحث عن طريق بديل. يتركون الطريق المعروف، ويدخلون في طرق فرعية وملتوية، بعضها يحتاج الى ساعات حتى تصل، وبعضها لا تعرفه اصلا الا لان الازمة دفعتك اليه. تظن انك وجدت مخرجا من الحاجز، ثم تكتشف ان الحاجز العسكري منصوب هناك ايضا، وان الطريق البديل الذي اخذ منك ساعة او ساعتين او اكثر ينتهي امام بوابة مغلقة او حاجز لا يسمح بالمرور. وهكذا يصبح الطريق البديل جزءا من العذاب نفسه، لا حلا له. تدور في المكان، تستهلك الوقود والوقت والاعصاب، وتعود في النهاية الى السؤال ذاته .. كيف يمكن لمسافة قصيرة بين رام الله والقدس ان تحتاج كل هذا الوقت وكل هذا القلق؟

والامر لا يتوقف عند الحواجز العسكرية. بعض الطرق التي يضطر الفلسطينيون الى سلوكها هربا من الاغلاقات تمر في مناطق يعرف الناس فيها انهم ليسوا بمأمن من اعتداءات المستوطنين. السيارة الفلسطينية تصبح في بعض هذه الطرق هدفا محتملا، والعائلة داخلها تعرف ان عليها ان تواصل السير وهي تحمل خوفا اضافيا .. ليس فقط هل سنصل، بل هل سنصل من دون ان يعترضنا مستوطنون او تتعرض سيارتنا للاعتداء؟ وهكذا يصبح الطريق البديل اكثر من طريق طويل، يصبح طريقا يحمل معه احتمالا اضافيا للخوف.

المشكلة ليست في الزحام وحده. الزحام يحدث في كل مكان، وقد تتأخر الطرق لاسباب كثيرة، لكن ما يجعل الامر مختلفا هو انك تعرف ان هناك من يملك القدرة على فتح الطريق او اغلاقه، وعلى تمرير السيارات او توقيفها، وعلى تفتيشها او تركها، وعلى جعلك تنتظر عشر دقائق او ساعات. وفي لحظة كهذه تشعر ان الطريق لم يعد ملكا لك، وان الوقت لم يعد وقتك، وان المسافة لم تعد تقاس بالكيلومترات. هناك حاجز، وهناك جندي، وهناك قرار يمكن ان يغير كل شيء في لحظة. وهكذا يصبح مزاج الجندي جزءا من هندسة الطريق، ويصبح الفلسطيني مطالبا بان ينتظر قرارا لا يعرف معاييره ولا مدته.

والاقسى من ذلك ان بعض الشوارع المؤدية الى المعابر والحواجز التي يفترض ان تكون طريقا الى القدس او طريقا للعودة منها مصممة بطريقة تجعل الرجوع عند وقوع الازمة شبه مستحيل. تدخل في مسار السيارات، ثم تجد نفسك محاصرا في اتجاه واحد، لا تستطيع ان تتراجع ولا ان تخرج من الطابور، والسيارات خلفك تمتد كما السيارات امامك. كل شيء يقود الى نقطة واحدة، واذا اغلقت تلك النقطة تصبح السيارات اسيرة الطريق الذي جاء بها اليها. لا مجال للمناورة، ولا مكان كافيا للعودة، ولا طريق واضحا للهروب من الاختناق. وهنا يصبح الحاجز اكثر من نقطة تفتيش ، يصبح مصيدة زمنية، تدخلها ولا تعرف متى تخرج منها.

وهناك من يقضي ساعات طويلة داخل السيارة، لا يتحرك الا بضعة امتار كل فترة، ثم تتوقف السيارات من جديد. ساعات تمر، والناس داخل مركباتهم. بعضهم لديه عمل ينتظره، بعضهم لديه موعد، بعضهم عائد الى بيته، وبعضهم جاء الى رام الله للعمل ثم اكتشف ان طريق العودة الى القدس ليس رحلة عادية. وقد يصل الامر الى ان ينام الناس في سياراتهم على الحواجز او قربها، لان العودة لم تعد ممكنة، ولان الاستمرار في الانتظار اصبح هو الخيار الوحيد المتاح. انسان يغادر بيته في الصباح ولا يعرف ان كان سيعود اليه في الليل، او يصل الى عمله ولا يعرف متى سيتمكن من العودة الى عائلته.

وفي وسط هذا كله هناك النساء والاطفال، وهم ربما الحلقة الاقسى في حكاية الحواجز. ماذا تفعل امرأة عالقة لساعات في سيارة وسط طابور لا يتحرك عندما تحتاج الى قضاء حاجتها؟ اين تذهب؟ كيف تشرح لطفل صغير ان عليه ان ينتظر ساعة اخرى، ثم ساعة اخرى، بينما هو بحاجة الى الحمام او الماء او الطعام؟ ماذا تفعل ام تحمل طفلا، او امرأة حامل، او طفل مريض، عندما يصبح الطريق كله عبارة عن صف طويل من السيارات لا يعرف احد متى يتحرك؟ هذه ليست اسئلة نظرية، بل تفاصيل انسانية صغيرة تجعل معنى الحاجز اكبر بكثير من اسلاك وبوابات وجنود.

والطفل الذي ينام في السيارة امام الحاجز لا يعرف معنى السياسة ولا خرائط السيطرة ولا الاتفاقيات ولا التصريحات. يعرف فقط انه يريد ان يصل الى بيته. والمرأة التي تضطر الى قضاء ساعات في سيارة لا تعرف متى ستتحرك لا يهمها في تلك اللحظة اسم الحاجز ولا اسم المنطقة، بل يهمها ان تنتهي هذه الرحلة. والعامل الذي خرج الى عمله لا يريد اكثر من ان يعود الى بيته. والطالب يريد الوصول الى جامعته، والمريض يريد الوصول الى علاجه، والاب يريد ان يرى عائلته. لكن كل هذه الحاجات البسيطة يمكن ان تتوقف عند نقطة واحدة، خلف حاجز، امام جندي، وبقرار لا يملك الفلسطيني معرفة سببه ولا موعد انتهائه.

وليس هذا مجرد انطباع عابر. منظومة عوائق الحركة في الضفة الغربية واسعة، وتشمل حواجز وبوابات واغلاقات وعوائق اخرى تؤثر في حركة الفلسطينيين، وتدفعهم في كثير من الحالات الى سلوك طرق اطول وتعطل الوصول الى اماكن العمل والخدمات. لكن الارقام، مهما كانت ضرورية، لا تقول كل شيء. الرقم لا يجلس داخل سيارة عالقة لساعتين. الرقم لا ينظر الى ساعة يده للمرة العاشرة. الرقم لا يسمع الاطفال وهم يسألون .. متى نصل؟ ولا يشعر بالقلق من ان يصبح موعد العودة اصعب من موعد الذهاب. الرقم لا يعرف ماذا يعني ان تخرج الى القدس وانت لا تعرف هل ستصل اليها، وان تعود منها وانت لا تعرف كم ستحتاج للعودة. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل الحاجز اكبر من حاجز، وتجعله جزءا من الحياة اليومية نفسها.

والقدس هنا ليست مدينة بعيدة. هي قريبة الى درجة انك تستطيع ان تشعر انك على ابوابها، لكنها بعيدة الى درجة ان الوصول اليها قد يتحول الى رحلة معاناة. وهذه المفارقة ربما هي واحدة من اكثر ما يوجع في الحكاية كلها ... ان تكون المدينة قريبة جغرافيا وبعيدة بفعل السيطرة على الطريق. ان تكون المسافة قصيرة، لكن الوصول طويلا. ان تعرف ان القدس هناك، ثم تجد نفسك عالقا في طابور سيارات لا تعرف لماذا توقف ولا متى يتحرك.

ولا يتعلق الامر فقط بمن يعيش في رام الله ويريد الذهاب الى القدس. هناك من يأتي الى رام الله من القدس او من بلدات اخرى من اجل عمل او موعد او معاملة، ثم يريد العودة الى بيته في القدس، فيجد ان رحلة العودة ليست مضمونة. وقد يكون الطريق صباحا مفتوحا نسبيا، ثم يصبح عند المساء مختلفا تماما. وقد يصل الانسان الى رام الله لقضاء ساعات في عمله، ثم يكتشف ان العودة الى القدس تحتاج الى ساعات اخرى من الانتظار، وربما الى البحث عن طرق بديلة، وربما الى البقاء عالقا في مكانه حتى الليل. وهكذا يصبح المكان الذي جئت اليه للعمل او لقضاء حاجة مكانا لا تعرف متى تستطيع مغادرته.

والفلسطيني مع الوقت قد يبدأ بالتكيف مع هذا كله. يبدأ في حساب الحاجز قبل حساب الطريق، ويخرج قبل موعده بساعات، ويترك مساحة اضافية لكل احتمال، ويسأل من سبقوه .. كيف الوضع على الحاجز؟ هل فتحوا؟ هل اغلقوا؟ هل هناك ازمة؟ هل نستطيع المرور؟ وهكذا يدخل الاحتلال الى تفاصيل الحياة بطريقة اكثر عمقا من مجرد وجود جندي على حاجز. يدخل الى الساعة، والموعد، وخطة اليوم، وقرار الذهاب، وقرار العودة. يصبح احتمال الاغلاق حاضرا حتى عندما يكون الطريق مفتوحا.

وحين تكون هذه هي القاعدة، يصبح الوصول الى القدس اكثر من انتقال من مدينة الى مدينة. يصبح تذكيرا يوميا بمن يملك مفاتيح الحركة. قد تكون في رام الله وتريد الذهاب الى القدس، وقد تكون في القدس وتريد العودة الى رام الله، لكن الطريق لا يسأل عن حاجتك ولا عن موعدك ولا عن عملك. الطريق ينتظر القرار الذي يأتي من الحاجز. وهذا هو الجزء الاكثر قسوة في المسألة.. ان يصبح انسان عادي يريد الوصول الى مكان قريب، خاضعا في حركته اليومية لقرار عسكري لا يملك مناقشته ولا معرفة نهايته.

والاسوأ ان الفلسطيني قد يبدأ بالتعامل مع هذه المعاناة باعتبارها شيئا عاديا. ان تصبح ساعات الانتظار خبرا يوميا لا يستحق التوقف عنده، وان يصبح نوم الناس في سياراتهم مشهدا عابرا، وان تصبح الام التي تبحث عن مكان لقضاء حاجة طفلها جزءا من صورة الطريق، وان يصبح الخوف من اعتداء مستوطن على سيارة فلسطينية احتمالا طبيعيا من احتمالات السفر. حين يصبح غير الطبيعي عاديا، تكون السيطرة قد دخلت الى اعمق نقطة في الحياة: الى قدرة الانسان على التعايش مع ما لا ينبغي ان يكون طبيعيا.

وما يحدث عند الحواجز ليس مجرد اضاعة للوقت. الوقت نفسه يصبح اداة للسيطرة. يمكن ان تخسر ساعة، او ثلاث ساعات، او يوما كاملا، لكن الخسارة الاكبر هي انك لا تعرف مسبقا كم ستخسر. ولذلك لا تستطيع ان تخطط لحياتك كما يفعل الناس في الطرق العادية. لا تستطيع ان تقول سأصل في الثامنة، او سأعود في السادسة، لان هناك دائما حاجزا يمكن ان يعيد كتابة جدول يومك كله. وهذا يعني ان السيطرة لا تقع فقط على المكان، بل على الزمن ايضا.

ربما لهذا لا يكفي ان نقول ان الحواجز تعطل الحركة. انها تعيد ترتيب الحياة نفسها. تجعل الطريق جزءا من القلق اليومي، وتجعل الوقت الفلسطيني قابلا للمصادرة، وتجعل مدينة مثل القدس، التي يفترض ان تكون في متناول من يعيش في رام الله، مرتبطة بسلسلة من القرارات العسكرية التي قد تجعل الوصول اليها رحلة لا تطاق. وفي النهاية لا يعود الاحتلال موجودا فقط عند حدود المكان، بل يصبح موجودا داخل الطريق، داخل السيارة، داخل الساعة، وحتى داخل السؤال البسيط .. متى نصل؟ 

القدس لا تحتاج الى ان تكون بعيدة حتى تصبح بعيدة. يكفي ان يوضع بين رام الله والقدس حاجز، ثم حاجز آخر، ثم اغلاق، ثم طابور، ثم ساعات من الانتظار، حتى تصبح المسافة شيئا آخر. تصبح القدس قريبة على الخريطة، بعيدة في الطريق، اثقل في الوصول، واكثر حضورا في الذاكرة من ان تكون مدينة يمكن الذهاب اليها ببساطة. ويصبح الرجوع منها رحلة اخرى لا تقل قسوة عن رحلة الوصول اليها.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الذي يستحق ان يبقى مفتوحا .. ماذا يعني ان تصبح الطريق الى القدس نفسها جزءا من المعاناة؟ ماذا يعني ان يحتاج الفلسطيني الى كل هذا الوقت كي يصل الى مدينة قريبة، وان يحتاج الى مزيد من الوقت كي يعود منها، وان يصبح الطريق البديل اكثر طولا وخوفا، وان تتحول الحواجز الى نقاط تتحكم في اليوم كله؟ وهل اعتدنا هذا العذاب الى درجة اننا لم نعد نرى في الحاجز الا طابور سيارات، بينما هو في الحقيقة جزء من نظام يجعل حركة الفلسطيني ووقته وحياته كلها قابلة للتوقف بقرار من يقف على الحاجز؟