آراء

دلالات ذاكرة العنب

73 مشاهدة
دلالات ذاكرة العنب

الكاتب : تحسين يقين

يدٌ على الأرض، ويدٌ على السماء. وما بين اللون الترابي والأزرق، يمتد أخضر الشجر، غريب السيقان، وغريب الثمر بتنوّع ألوانه، بين درجات الأخضر، ومزيج الأسود والأحمر والبنفسجي.

هل كانت الحاسة الأولى هي الذوق، أم البصر، أم الصوت؟ لا أدري. لكنني أعرف أن بيتنا ارتبط منذ طفولتي بفضاء الأرض؛ فالوالد كان هناك، باستثناء أيام المطر، فلا نكاد نجده خارجها إلا لقضاء حاجة للأسرة. كانت الأرض المكان الأثير في حياته، ومن خلالها بدأت ألتقط مفردات الريف الأولى: «التعميرة» و«الحريقة». قدرت أن أربط «التعميرة» بالتعمير، في مقابل «الخراب» الذي كان الكبار يصفون به الأرض غير المزروعة أو غير المحروثة. أما «الحريقة» و«الحرايق»، فلم أعرف من أين اشتُقّ الاسم.

ثم كبرت اللغة معي، وبدأت أحاول فهم أسماء قطع الأراضي: الميشة، الخلّة، عراق بدر، حيط الراس، عين سلمان، الحومة، السحاسيل، الظهر، بريطة، الجدر، القاعة، الزقاق... ولم يكن الأمر مقتصرًا على أسماء الأراضي، بل وعيت أيضًا أسماء «الحبايل»: هذه حبلة اللتون، وتلك حبلة المصاية. والحبايل جمع «حبلة»، وهي المصطبة التي تُحفظ تربتها من خلال السلاسل الجبلية الاستنادية التي نسميها «السناسل».

هي سيرتنا إذن. أما الناظم المشترك لهذه الأراضي المختلفة في تضاريسها وترابها وصخورها، فهو العنب. فلا نكاد ننظر من أي مكان في بيت دقو إلا ونرى دوالي العنب. وهي لا تبعد عن بيتنا سوى أمتار، وقد زرع كثيرون منها وأقاموا لها «معرّشًا» أمام بيوتهم.

وهكذا عشنا معها ومع مواسمها. فما إن تلامس قطرات المطر جبالنا حتى تبدأ عمليات رعاية الأشجار، التي تمتد من تشرين الثاني حتى آب، وهو الشهر الذي تنضج فيه قطوف العنب. وقد قيل في موعد القطاف: «في آب اقطع ولا تهاب».

لا أذكر إن كنت في السادسة أو السابعة حين سُمح لي باللحاق بالأهل الذين بكّروا إلى قطف العنب، لكنني أذكر أنني أحببت جدًا الجلوس في «الفاي»، أي الظل. لعلني أحببت تلك البرودة، أو لعلي وجدت فيها عالمي الخاص، فقد انشغلت باللعب بالكرتون إلى درجة أن الأهل كادوا ينسونني في مكاني ويعودوا إلى القرية، كما روى لي أخي ناصر، الذي يكبرني بثماني سنوات. ويبدو أنه أعجب بسلامي الداخلي، الذي شغلني حتى عن الانتباه إلى ما حولي بعد انتهاء القطف.

قضيت، على ما يبدو، بضع ساعات وحدي كما أنا، وكأنني زهدت في الاقتراب من الجلبة والأصوات وحركة الدواب التي كانت تنقل على ظهورها «الشرحات»، وهي صناديق الخشب، أو كراتين العنب.

كانت تلك أولى زياراتي إلى «التعميرة» التي تشوّقت إليها. فقد بدت في موسم القطاف مغرية لي وللأطفال، بما فيها من طقوس الموسم الذي كان يبدو لنا احتفالًا كاملًا: صوت وحركة ولون، وحضور عميق للحواس وتأثيرها.

ولا تسعفني الذاكرة على تذكّر ما سبق تلك المرحلة، سوى مشاهد إخوتي وهم ينقلون العنب من «التعميرة» إلى البيت. كان يعجبني ترتيب الصناديق وطريقة تعبئة العنب، وما أجده من حبات متراصّة متماسكة، لا عروق فيها. وكان الدقاقوة يتنافسون في جودة التعبئة، حتى خلطت، وأنا طفل، بين هذا الترتيب وبين الفن.

سأدخل المرحلة الثانية في صيفية الصف الرابع. هكذا كنا نربط بعض ذكرياتنا بالصفوف المدرسية. كنت ابن عشر سنوات حين سُمح لي بمصاحبة الأهل لمساعدتهم في العمل. سررت بذلك، لأنني شعرت بأنهم اعترفوا بأنني كبرت بما يكفي لمرافقتهم مبكرًا، حتى إن آثار النعاس في عينيّ لم تمنع الطفل من الاعتقاد بأنه كبر فعلًا.

كانت مهمتي إحضار الصناديق لوالدي وبقية الأهل. وحين يتم تعبئة «حمل» الدواب، كان والدي أو أخواي الكبيران، منصور ونصّار، يربطان الصناديق بحبل قوي حتى لا يرتخي فتسقط الصناديق. ثم نسوق الدابتين أنا وسعيد، الذي يكبرني بعامين، إلى القرية. وبالطبع كنا نفرح بالعودة راكبين.

كانت طقوس «تلقيط العنب» تتم بنظام وترتيب، ولا مجال فيها للفوضى. لكل واحد منا دوره. وكان «التلقيط» عند الحاج يقين مختلفًا، على نحو خاص، لما يتسم به من تنظيم ودقة يضمنان قطف العنب دون أن يتساقط أو تنفرط حباته.

كانت الوالدة، أم منصور، وأختي نعمة تتوليان فعل التلقيط، وتساعدهما أختي يسرى، ليُوضع العنب في علب كرتونية أو أوعية مختلفة. وفيما بعد، صرنا نصفه على الأرض: قطوف متقاربة، لكن ليست فوق بعضها بعضًا. وكان يتولى هذه المهمة، في تلك الفترة، الوالد وأخي منصور، الذي كان طالب طب آنذاك.

ثم نقوم بطقس التغليف والتربيط، فترتّب الصناديق، ويُحمّل المحصول على الدابتين أو الثلاث. أما أنا وأخي سعيد، ومعنا أخي داود الأصغر مني، فكنا نتولى نقل المحصول إلى البلد.

ولا يتسع المقال لذكر تفاصيل من كان يلتحق بنا للمساعدة من أبناء العم والمحبين والأقارب. فالعنب لم يكن موسمًا عائليًا فحسب؛ كان موسمًا اجتماعيًا تتسع فيه دائرة العمل والمشاركة.

وبالرغم من ذكر هذه التفاصيل، فإن الكثير من طقوس العنب ما زال خارج هذه السطور، كما أن الكثير من تقاليد رعاية الكروم لم يُذكر. ولعل هذه الذكريات تحضر دوما، وبخاصة في الموسم، وهي تحضر اليوم خلال نهارات مهرجان سوق العنب الدقاوي.

فبيت دقو، الواقعة في شمال غرب القدس، بقيت القرية الأكثر اهتمامًا بالزراعة، وإن خفّ ذلك بالطبع على مدار أكثر من أربعة عقود. فقد بدأنا نواجه مشكلة تسويق العنب، وتلك حكاية مُرّة. كان أهل بيت دقو تقريبًا آخر من تحوّل جزء منهم من فلاحين ومزارعين إلى عمال بروليتاريا داخل الورش والمستوطنات والمزارع التي تتبع الاحتلال.

وظل هذا التحول يتسارع، يواكبه تناقص في إنتاج العنب، حتى صار مزارعو العنب معدودين على الأصابع. ثم كان ما كان من غزو جدار الفصل العنصري لجزء من أراضي القرية، لتمتد المستوطنات لاحقًا وصولًا إلى «فتيان التلال».

هي ذاكرة العنب، ولكل منا تذكاراته وقصصه. وهي أيضًا ذاكرة الخوخ والزيتون والخضار. لذلك ظهرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة مهرجانات للفواكه والخضار؛ افتتحها مهرجان المشمش في جفنا، وتلاه عدد كبير من المهرجانات، حتى صار للخس مهرجان خاص به.

لكن حتى يكون لهذه المهرجانات رونقها ومعناها الحقيقي، فلا بد أن يعود قرويو بتير إلى زراعة الباذنجان البتيري، الأجمل طعمًا، وألا يبقى مقتصرًا على عدد قليل من أهل بتير. أما أهل «تل»، المستمرون في زراعة التين، فقد كان موسم تينهم هذا العام حزينًا.

استمر الوجود الفلسطيني، رغم الغزوات التي تعرضنا لها، وحرص الفلسطينيون دوما على الاستمرار في الزراعة، التي كانت عصب الاقتصاد، وعصب التماسك الاجتماعي، ومصدرًا من مصادر الإبداع الثقافي. فمن خلال الأرض وثمارها ظهرت تجلياتها في الأدب الشعبي، وفي الأدب المكتوب منذ بدأت عملية التدوين، وصولًا إلى الأدب الفلسطيني الذي بدأ بالتبلور منذ قرن من الزمان أو يزيد.

هي إذن سيرتنا، وسيرة البلاد الجميلة؛ جميلة المنظر والرائحة والطعم والملمس. وهي سيرة تختلف عن سيرة الغزاة، بفواكههم وخضارهم التي تغزو أسواقنا، والتي عبّر أحدهم عنها ببلاغة حين وصف طعمها بأنه واحد، وكأنها كلها تحمل المذاق نفسه؛ أي أنها، في النهاية، بلا طعم.

فالعنب ليس مجرد ثمرة في ذاكرتنا. إنه الأرض، والموسم، والعمل، والعائلة، والقرية، واللغة، والطفولة، وذاكرة المكان. وكلما عاد موسم القطاف، عادت معه تلك الحياة القديمة، بكل أصواتها وروائحها وألوانها، لتذكّرنا بأن ما نزرعه في الأرض لا ينتهي بانتهاء الموسم؛ بعضه يبقى في الذاكرة، ويصير جزءًا من سيرتنا.