آراء

كيف تعيد إسرائيل هندسة سورية الجديدة؟

64 مشاهدة
كيف تعيد إسرائيل هندسة سورية الجديدة؟

الكاتب : أسامة أبو ارشيد
 
يرى متابعون ومحلّلون أنّ العدوان الإسرائيلي على مطار أبو الظهور العسكري (في محافظة إدلب شمال غربي سورية) الثلاثاء الماضي (18 أغسطس/ آب الجاري) كان رسالةً إسرائيليةً إلى تركيا لكبح محاولات تعزيز وجودها العسكري في سورية. هو تحليل سليم، إلّا أنّه يبقى قاصراً عن الإحاطة بتفاصيل العبث والعربدة الإسرائيلية في سورية منذ سقوط نظام بشّار الأسد قبل أقلّ من عامَين. فمنذ 8 ديسمبر (2024)، شنّت إسرائيل عشرات الغارات الجوية على قواعد عسكرية سورية بحجّة تدمير العتاد العسكري حتّى لا يقع في أيدي "المتطرّفين" و"الجهاديين" الذين أصبحوا يحكمون البلاد. كذلك وسّعت تل أبيب الأراضي التي تحتلّها جنوب غربي سورية، حيث سيطرت على نحو 350 كيلومتراً مربّعاً من الأراضي، ما بين جبل الشيخ والقنيطرة إلى مناطق في حوض اليرموك في محافظة درعا جنوباً، بما في ذلك المنطقة منزوعة السلاح القائمة منذ 50 عاماً.

عودة إلى التحليل المركزي الذي يرتكز عليه كثيرون في تفسير الغارات الجوية الإسرائيلية على مطار أبو الظهور. لا يخفى هنا التوتّر المتصاعد في العلاقات بين تل أبيب وأنقرة، على خلفية ملفّات كثيرة، إلى درجة صدور تحذيرات من جهات عدّة من أنّ صداماً عسكرياً بين الطرفَين احتمال قائم. وكان السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سورية توم برّاك، قد قال إنّ أنقرة لم تتلقَّ إخطاراً مسبقاً بالضربة الإسرائيلية، "وبالتالي رصدت الطائرات وهي تتّجه شمالاً نحو أراضيها، وكان من المنطقي أن تستعدّ لاتخاذ ردّها الخاص (ردّ عسكري محتمل). لحسن الحظّ، تمكّنت العقول الهادئة من منع الوضع من التدهور أكثر". ويقع مطار أبو الظهور على بعد نحو 70 كيلومتراً فقط من الحدود ‌التركية، فيما يبعد عن فلسطين نحو 500 كيلومتر.

أكّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، هدف كبح محاولات تركيا تعزيز نفوذها العسكري في سورية: "لن نسمح بتمركز عسكري تركي يمتدّ جنوباً، لأنّه يشكّل تهديداً لنا". هكذا صرّح نتنياهو في أعقاب قصف المطار، وأفاد بأنّ إسرائيل وجّهت في البداية رسالةً "بعبارات عامّة" تعارض فيها وجوداً عسكرياً تركياً في قاعدة أبو الظهور الجوّية. مضيفاً: "يبدو أنّهم لم يسمعوا هذا، لذا حرصنا على أن يفهموه بصورة أوضح". أمّا زامير، الذي حرص على أن يجول في الجنوب السوري المحتلّ، بعد يوم من العدوان على أبو الظهور، فقال إنّ إسرائيل "لن تسمح لقوات معادية بالتمركز عند حدودنا، وسنعرف كيف نستخدم قوّتنا بدقّة في المكان والوقت اللذين يستوجبان ذلك".

في السياق نفسه، نقلت وكالة رويترز عن ثلاثة مصادر مطّلعة أنّ رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان جوفمان أجرى مكالمةً هاتفيةً مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، قبل أربعة أيّام (14 أغسطس) من شنّ إسرائيل عدوانها على المطار العسكري، ناقشا خلالها الوجود العسكري التركي في سورية. وبحسب أحد المصادر التي نقلت عنه الوكالة، فإنّ المكالمة تركّزت على "استفسارات إسرائيلية عمّا كانت (تركيا) تفعله من حيث زيادة وجودها العسكري، فضلاً عن بيع الأسلحة وتوفير الطائرات المسيّرة وقضايا أخرى". وقال مصدر ثانٍ، وهو مسؤول كبير، إنّ جوفمان استغلّ المكالمة للسؤال عن إمداد تركيا للجيش السوري بالأسلحة. وأكّد مصدر ثالث مطّلع إجراء المكالمة، قائلاً إنّهما ناقشا الوجود العسكري التركي في سورية.

يؤكّد ما سبق المقاربة أنّ العدوان على أبو الظهور كان رسالةً إسرائيليةً إلى تركيا. لكن ثمَّة معطيات تفيد بأنّ هذه الرسالة لا تدخل في سياق التنافس الجيوسياسي بين الدولتَين فحسب، بل تذهب إلى أبعد، إلى حدِّ محاولة إعادة تشكيل سورية وتكييفها في مقاس المصالح الجيوسياسية الإسرائيلية. يندرج ضمن ذلك الفيتو الذي تضعه تل أبيب على وجود عسكري لنظام الحكم الجديد في دمشق جنوبي البلاد، بما في ذلك محافظة السويداء التي يقود فيها حكمت الهجري (الرئيس الروحي للدروز) محاولةً انفصالية. وكانت إسرائيل قد قصفت القوات الحكومية في يوليو/ تمّوز 2025 عندما حاولت دخول السويداء لفضّ الاشتباكات بين الدروز وقبائل بدوية عربية، بذريعة حماية الدروز. وفي أغسطس 2025 قال نتنياهو في مقابلة تلفزيونية إنّه يرى نفسه "في مهمّة تاريخية وروحانية"، وأنّه "مرتبط عاطفياً برؤية إسرائيل الكُبرى". وخلال تلك المقابلة، قدّم المذيع هديةً له تُجسّد "خريطة أرض الميعاد"، ليسأله عما إذا كان يتّفق مع رؤية هذه الخريطة، ليرد نتنياهو بالقول: "كثيراً". أمّا حدود "أرض الميعاد" توراتياً، وهي المملكة التي حكمها داود وسليمان عليهما السلام، فهي تمتدّ، بحسب سِفر التكوين، "من النهر العظيم، نهر الفرات، إلى نهر مصر (النيل)". بمعنى أنّ الخريطة التي اعتبرها نتنياهو "إسرائيل الكُبرى" تضمّ كامل فلسطين المحتلّة، بما فيها الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وأجزاءً من الأردن ولبنان وسورية ومصر والعراق.

ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، إذ تدفع إسرائيل إلى إقامة مشروع يحمل اسم "ممرّ داود"، يمتدّ على شكل شريط جغرافي ضيّق يشقّ قلب المشرق، بدءاً من مرتفعات الجولان المحتلّة في الجنوب الغربي، مروراً بالمحافظات السورية الجنوبية المحاذية لإسرائيل والأردن، وهي القنيطرة ودرعا، ثمّ يتّسع شرقاً عبر السويداء في منطقة جبل حوران، قبل أن يدخل البادية السورية باتجاه معبر التنف الاستراتيجي الواقع عند المثلث الحدودي السوري – العراقي – الأردني. ويهدف هذا المشروع إلى إعادة تشكيل البنية الجغرافية والسياسية لسورية بما يخدم مصالحها، وذلك عبر تفتيت البلاد وإضعاف السلطة المركزية في دمشق. ولعلّ في توسيع إسرائيل ما تعدّه نطاقاً أمنياً حيوياً لها في سورية من الجنوب إلى شمال البلاد على الحدود مع تركيا، عبر قصف مطار أبو الظهور، تجسيداً لنيّاتها في إعادة تشكيل سورية والسطو على سيادتها.

الأخطر هنا الدور الذي تمارسه الولايات المتحدة في محاولات إخضاع سورية الجديدة وإعادة تشكيلها وصياغتها لمصلحة إسرائيل عبر أدوات الإكراه الاقتصادية والمصرفية والدبلوماسية التي تملكها. ويلعب الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعبةً مفضوحةً مع الرئيس السوري أحمد الشرع، إذ يبتزّه ضمناً بذريعة أنّه أعاد تأهيله من "جهادي إرهابي" إلى رجل دولة. وقد تمكّنت واشنطن فعلاً، عبر توم برّاك، من إطلاق جولات من المفاوضات السياسية بين دمشق وتل أبيب، ركّزت على الجوانب الأمنية، مع التشديد على أنّ الغاية النهائية تحقيق "سلام" بين الدولتَين. ما سبق ليس تحليلاً، بل مبني على معطيات وتصريحات أميركية، وحتّى سورية. وكان الرئيس الشرع نفسه قد قال الشهر الماضي، في برنامج "المقابلة" في قناة الجزيرة، إنّ دمشق تعمل على التوصّل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل بمشاركة عدة دول، معرباً عن أمله في أن يشكّل هذا الاتفاق مدخلاً إلى سلام شامل، من دون المساس بحقّ سورية في الجولان المحتل. وأضاف أنّ بلاده تتجنّب الصدام مع إسرائيل ولا ترى مصلحةً في الانخراط في أيّ مواجهة معها، مشيراً إلى أنّ نجاح الترتيبات الأمنية الجارية قد يفتح الطريق أمام تسوية أوسع نطاقاً.

مفهومٌ أنّ سورية المنهكة والممزّقة بعد أكثر من 14 عاماً من الثورة والصراع مع نظام الأسد الاستبدادي تبحث عن فترة هدوء لإعادة بناء الدولة والمجتمع، وبالتالي تجنّب أيّ صدام مع إسرائيل. لكن ما ينبغي أن تدركه القيادة الجديدة في دمشق أنّ إسرائيل ليست في وارد منح سورية فرصةً للتعافي، كذلك فإنّها لن تقبل بأن تستعيد مكانتها بوصفها أحد أضلاع القوّة العربية. إسرائيل تعرف ما الذي تريده لسورية، خصوصاً وهي تؤكّد أنّها لن تنسحب من شبر من أراضيها المحتلّة. المهمّ أن تعرف القيادة السورية ماذا تريد هي لبلادها، وأن تدرك أنّ واشنطن ليست وسيطاً محايداً، بل هي بلدوزر إسرائيل في المنطقة، كذلك فإنّها تلعب دوراً آخر أحياناً، يتمثّل بتخدير ضحايا إسرائيل وإخضاعهم لعدوانها بطريقة ناعمة، بينما تتكفّل تل أبيب بالأدوات الخشنة معهم.

*" العربي الجديد"