الكاتب : المحامي طاهر مرايطه
لم تعد العلاقات الدولية تُدار بمنطق التحالفات الثابتة، بل وفق حسابات المصالح المتغيرة التي تعيد تشكيل المشهد الإقليمي باستمرار. وفي هذا السياق، يبرز الحديث المتزايد عن تقارب محتمل بين الولايات المتحدة وإيران كتحول استراتيجي قد يحمل في طياته تداعيات عميقة على موازين القوى في الشرق الأوسط، وعلى رأسها موقع إسرائيل.
فبعد سنوات من التصعيد والعقوبات والتهديدات المتبادلة، يبدو أن البراغماتية السياسية بدأت تفرض نفسها على الطرفين، مدفوعة بتحديات مشتركة، من أمن الطاقة إلى الاستقرار الإقليمي. هذا التقارب – إن تحقق – لن يكون مجرد تفاهم عابر، بل قد يعكس إعادة تموضع أمريكي في المنطقة، يبتعد تدريجياً عن سياسة الانحياز المطلق، ويتجه نحو إدارة توازنات أكثر تعقيداً.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تجد إسرائيل نفسها أمام واقع جديد تفقد فيه جزءاً من الغطاء السياسي والاستراتيجي الذي اعتادت عليه؟ أم أن ما يجري لا يتجاوز كونه تكتيكاً مرحلياً ضمن لعبة الأمم الكبرى؟
أولاً: دوافع التقارب… مصالح تتقاطع
تسعى الولايات المتحدة اليوم إلى تخفيف أعبائها في الشرق الأوسط، في ظل انشغالها بملفات أكثر إلحاحاً على الساحة الدولية، كالصراع مع الصين والتوتر مع روسيا. ومن هذا المنطلق، فإن فتح قنوات تفاهم مع إيران قد يساهم في تقليل التوتر وضبط إيقاع الأزمات.
في المقابل، تدرك إيران أن الانفتاح – ولو جزئياً – على واشنطن قد يفتح لها أبواباً اقتصادية ويخفف من وطأة العقوبات، خاصة في ظل الضغوط الداخلية والتحديات الاقتصادية المتزايدة. وهنا تتلاقى المصالح، ولو بشكل مؤقت، عند نقطة “خفض التصعيد مقابل مكاسب متبادلة”.
ثانياً: إسرائيل بين القلق والخيارات المحدودة
أي تقارب بين واشنطن وطهران يُنظر إليه في إسرائيل باعتباره تهديداً مباشراً، ليس فقط من الناحية الأمنية، بل من زاوية فقدان التفوق السياسي والدعم غير المشروط.
فالعقيدة الإسرائيلية طالما قامت على مبدأ التحالف الاستراتيجي الثابت مع الولايات المتحدة، لكن في حال تغيّرت أولويات واشنطن، فإن تل أبيب قد تجد نفسها أمام واقع جديد يتطلب إعادة حساباتها، سواء عبر تصعيد سياساتها الإقليمية أو البحث عن تحالفات بديلة.
ثالثاً: سيناريوهات المرحلة القادمة
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة:
- سيناريو الاتفاق المحدود: تفاهمات جزئية بين الولايات المتحدة وإيران دون الوصول إلى اتفاق شامل، مع استمرار التوتر ولكن بوتيرة أقل.
- سيناريو الصفقة الكبرى: اتفاق شامل يعيد ترتيب ملفات المنطقة، من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي، وهو السيناريو الأكثر تأثيراً على موقع إسرائيل.
- سيناريو الانهيار: فشل التقارب وعودة التصعيد، وهو ما قد يمنح إسرائيل فرصة لاستعادة دورها التقليدي في التأثير على القرار الأمريكي.
خاتمة: بين الواقع والاحتمال
في السياسة، لا توجد ثوابت دائمة، بل مصالح تتغير وفق الزمن والظروف. وما يُطرح اليوم حول تقارب أمريكي–إيراني قد يكون بداية لتحول أعمق في بنية النظام الإقليمي، أو مجرد مناورة تكتيكية في صراع طويل.
لكن الثابت الوحيد أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جديدة، تتطلب من جميع الأطراف – وفي مقدمتها إسرائيل – إعادة قراءة المشهد بدقة، لأن التحولات القادمة قد لا تشبه ما سبقها.



