الكاتب : عيسى قراقع
هل شاهدتم، رفعوا الكؤوس. احتفلوا في قاعة الكنيست الإسرائيلي مساء يوم الاثنين 30 اذار 2026 بعد إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، ابتهجوا ورقصوا، وانتشوا بالشمبانيا والحقد، دولة بلطجية تقدس موت الاخرين، تنصب حبال المشانق في كل زنزانة وحارة وبيت وشارع، هذا ليس مجرّد تعبير عن موقف سياسي، بل هو انزلاقٌ أخلاقي فاشي من فكرة “القانون” كحارسٍ للعدالة إلى “القانون” كأداةٍ للانتقام، امتلأ الكاس بالدم مثلما امتلأت السجون بالإرهاب المنظم وبالاجساد المحطمة، يتحوّل التشريع الى أداة حرب معلنة ضد الحق المشروع في مقاومة الاحتلال، والى طقسٍ جماعي هستيري يُضفي الشرعية على إلغاء إنسانية الإنسان.
في هذا المشهد السادي يُعاد تعريف الأسير كوسيلةٍ لإشباع رغبة العقاب الجماعي، وكأن الكأس المرفوعة لا تحتفي بقانون، بل تُحيّي فكرة الموت المُقنّن، وكجزء من بنية استعمارية اوسع، حيث يستخدم الموت لإعادة رسم حدود الإنسان: من يستحق الحياة ومن يستباح قتله.
ليس جديدا على دولة الاحتلال أن تعلن أمام العالم أنها دولة عنصرية كريهة تستهدف الفلسطينيين احياء وامواتا، قوانين عدائية ملأت سجل الكنيست الاسرائيلي تحولت إلى قوانين ابادية، وترجمت في غزة ذبحا وقتلا، وفي السجون إلى إبادة صامتة، وفي الضفة المحتلة والقدس عندما تحولت الحياة اليومية إلى مصائد للموت على كل حاجز وفي كل مخيم ومدينة وقرية.
تاريخ دولة اسرائيل هو تاريخ الدم والمشانق والاعدامات، تاريخ المعسكرات والاقبية المظلمة، تاريخ الجلادين الذين يحتفلون ويرقصون أمام الأجساد المتطايرة والقنابل المدمرة، و بوقاحة تعلن هذه الدولة أمام العالم بأننا نحن لا نقتل فقط بل نشرعن القتل.
ماذا يقول مشرعو قوانين حقوق الإنسان وهم يشاهدون طقوس الموت في البرلمان الاسرائيلي؟ العدالة تفرغ من مضمونها وتصبح مجرد اسم للقوة والهمجية، وهنا فإن حبل المشنقة نراه يتدلى في كل مكان، في الأمم المتحدة وفي نصوص الشعارات، وفي الصمت المقيد المحتجز في سجون تحت الارض، وداخل الحديد والاسمنت.
الإعدامات تجري على قدم وساق لم تتوقف يوما، ولعل قتل أكثر من 120 أسيرا فلسطينيا منذ السابع من أكتوبر 2023 واختفاء العشرات، وممارسة التعذيب الممنهج والتجويع والعزل والاغتصاب، كل ذلك حول ساحات السجون إلى ساحات اعدام، والجميع كان يرى السجانين والوزراء في اسرائيل يفتخرون ويصفقون للافعال الشنيعة بحق الأسرى والاسيرات، ينشدون و يهتفون للجنود الذين اغتصبوا اسيرا في معتقل سدي تيمان الجهنمي، والذين مارسوا العنف الجنسي بحق احدى الاسيرات اربع مرات، الجميع رأى حفلات الديسكو، الكلاب والعصي والتنكيل والرفس والحرق والدعس والاذلال، الجميع رأى اجسام الشهداء التي تم تسليمها على دفعات، ممزقة ومشوهة وبلا ملامح وظلال، أنها دولة تضع على كتفها رمز مشنقة، وتستعرض الموت والبهجة نخبا في قائمة الشراب.
قانون الإعدام بحق المقاومين الاسرى هو عار على جبين الإنسانية جمعاء، تجريم حق الشعب الفلسطيني في المقاومة من أجل الحرية والكرامة والاستقلال، نزع المكانة القانونية عن شرعية النضال الفلسطيني ووصمه بالجريمة والارهاب، رواية مميتة لاعادة تشكيل الوعي الجمعي بحيث يصبح إنهاء حياة الاخر فعلا قابلا للاحتفاء لا المسائلة.
أن طقوس القتل في تاريخ الاستعمار: الصلب ، قطع الايدي، الاحراق، قطع الرؤوس، تشويه الاجساد، مشاهد اعدام علنية تجبر الناس على المشاهدة، كان الهدف واضحا: تحويل الجسد الميت إلى درس حي في الخضوع والطاعة، التطبيع مع القسوة، وتحويل الالم إلى نظام إداري، والخوف إلى فعل سيادة وخطاب سياسي.
ابن غافير وعصابته يحتفلون بقتل الاسرى على مدار الساعة، ويدافعون عن القتلة ويعتبرونهم أبطالا مقدسين، أنه يمثل دولة مريضة تعيش بين الرصاص وفي عتمات السجون وفي القبور الباردة، لكنه لم يقرأ أو يتعلم أن الفلسطيني يموت من أجل الحياة، وأنه منتصب القامة يمشي، مرفوع الهامة يمشي، وان حبال المشنقة منذ الانتداب البريطاني لم توقف الثورة، صار الموت انتفاضات وذاكرة واغنية:
نعم لن نموت ولكننا
سنقتلع الموت من ارضنا
نعم لن نموت، نعم سوف نحيا
ولو اكل القيد من عظمنا
ولو مزقتنا سياط الطغاة
ولو أشعلوا النار في جسمنا



