الكاتب : د . بسام سعيد
كثيرون يسألونني، وأتعرض كثيرًا لهذا السؤال من طلابي الذين أدرسهم، أو حتى خلال الندوات الثقافية: لماذا يحن الناس إلى الماضي النوستالجيا ويصفونه دائمًا بـ“الزمن الجميل” ؟ ولماذا يتغاضون عن أخطاء من رحلوا، ولا يذكرونهم إلا بكل خير؟ وهل العيب فى رجال الزمن الحاضر فعلًا؟
يمكن القول أن الحنين إلى الماضي ليس مجرد حالة عاطفية عابرة، بل هو انعكاس عميق لطبيعة النفس الإنسانية حين تواجه واقعًا لا يمنحها القدر الكافي من الطمأنينة. في مجتمعاتنا، يتكرر هذا الشعور بشكل لافت، فنسمع كثيرًا عبارة “الزمن الجميل”، وكأن الماضي كان مساحة خالية من التعقيد، مليئة بالنقاء والصدق. لكن الحقيقة أن ما يحدث ليس استعادة دقيقة لما كان، بل إعادة تشكيل له داخل الذاكرة.
العقل الإنساني لا يحتفظ بالأحداث كما هي، بل ينتقي منها ما يريحه ويمنحه شعورًا بالاتزان. لذلك، تتلاشى التفاصيل القاسية أو المزعجة مع مرور الوقت، وتبقى اللحظات الدافئة أكثر حضورًا، فيبدو الماضي وكأنه أفضل مما كان عليه فعلاً . ومع ضغوط الحاضر، سواء كانت سياسية او اقتصادية أو اجتماعية أو حتى نفسية، يتحول هذا الماضي إلى ملاذ آمن، مكان رمزي نهرب إليه عندما يثقل الواقع.
كثيرون يربطون هذا الحنين بفكرة أن الناس قديمًا كانوا أكثر تمسكًا بالقيم، وأن العلاقات كانت أبسط وأصدق، وأن الحياة لم تكن محكومة بهذا القدر من الحسابات المادية. يتخيلون أن كل شيء كان يتم ببساطة، بدون تعقيد أو تكلف، وكأن الزمن نفسه كان أهدأ. ورغم أننا نعرف أن الماضي لم يكن خاليًا من القسوة _ كانت هناك حروب، وظلم، واضطهاد، وحتى معاناة يومية في جوانب كثيرة، إلا أن هذه الصورة لا تظل حاضرة بنفس القوة في الذاكرة.
أما الشخصيات التي غادرت الحياة، فهى تحظى بنصيب خاص من هذا الحنين. فبمجرد رحيلها، تتوقف عند صورة معينة في أذهان الناس، غالبًا تكون في أفضل حالاتها. لا تعود هذه الشخصيات عرضة للنقد أو التغير، بل تتحول إلى رموز نقية، أقرب للمثال منها للواقع. وربما يكون الإشادة بهم لانهم لم يعودوا ينافسونهم في المراكز الاجتماعية.
وفي الشرق تحديدًا، يبدو هذا الحنين أكثر دفئًا ووضوحًا، ربما لأن العلاقات الإنسانية فيه كانت _ وما زالت _ تحتل مكانة أكبر، ولأن الإحساس بالجماعة والذكريات المشتركة أقوى. فيصبح الماضي ليس مجرد وقت مضى، بل حالة شعورية كاملة، مرتبطة بالأهل، والبيوت القديمة، وأيام كان فيها كل شيء “أقرب”.
في النهاية، حين يقول الناس “كان زمان أحلى”، فهم لا يصفون الزمن بقدر ما يعبرون عن احتياج داخلي للأمان والمعنى. الماضي هنا لا يكون حقيقة تاريخية بقدر ما يكون شعورًا أعاد العقل تشكيله ليجعله أكثر احتمالًا، وأكثر راحة من حاضر يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم وقول للزمان ارجع يازمان .
* أكاديمي وباحث



