رئيس التحرير

تراجع النهضة العربية وإشكالية العقل العربي: قراءة في فكر الجابري والماركسية وسؤال فلسطين

6 مشاهدة
تراجع النهضة العربية وإشكالية العقل العربي: قراءة في فكر الجابري والماركسية وسؤال فلسطين

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير

منذ أن واجه العالم العربي والإسلامي صدمة الحداثة الغربية في القرن التاسع عشر، انطلقت سلسلة من المشاريع الفكرية الهادفة إلى تشخيص أسباب التأخر التاريخي والبحث عن سبل النهضة. وقد توزعت هذه المشاريع بين اتجاهات إصلاحية ودينية وليبرالية وقومية وماركسية، إلا أن السؤال المركزي ظل ثابتاً: لماذا فشلت النهضة العربية في التحول إلى مشروع تاريخي قادر على إنتاج الحداثة والعلم والديمقراطية؟

يُعد محمد عابد الجابري من أبرز المفكرين الذين حاولوا تقديم إجابة جذرية عن هذا السؤال. ففي مشروعه النقدي الضخم "نقد العقل العربي"، انتقل من تحليل الظواهر السياسية والاقتصادية إلى تفكيك البنية المعرفية العميقة التي تحكم الثقافة العربية. لقد كان مقتنعاً بأن أي مشروع نهضوي لا يسبقه نقد للعقل المنتج للتخلف سيبقى أسيراً للدوران داخل الحلقة المفرغة ذاتها.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عندما تُقرأ إلى جانب التحليل الماركسي للاستبداد والتبعية والاستعمار، وعندما تُربط بمسألة الهيمنة الصهيونية وتراجع القضية الفلسطينية بوصفها إحدى النتائج التاريخية للأزمة الحضارية العربية المعاصرة.

أولاً: النهضة العربية المؤجلة وسؤال الإخفاق التاريخي

لم تكن النهضة العربية مجرد حركة ثقافية، بل مشروعاً للتحرر من الانحطاط التاريخي الذي أصاب المجتمعات العربية منذ القرون الأخيرة للدولة العباسية وما تلاها من عصور التفكك السياسي والجمود الفكري.

غير أن النهضة العربية، منذ رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، واجهت معضلة مزدوجة: كيف يمكن التوفيق بين التراث والحداثة؟ وكيف يمكن بناء مجتمع حديث دون الوقوع في التبعية للغرب؟

يرى الجابري أن معظم مشاريع النهضة أخفقت لأنها تعاملت مع التراث بوصفه مخزوناً جاهزاً للحلول، أو تعاملت مع الحداثة بوصفها نموذجاً يمكن استيراده بالكامل. وفي الحالتين غاب النقد الجذري للبنية العقلية المنتجة للمعرفة داخل الثقافة العربية.

ولهذا ظل الفكر النهضوي يتحرك داخل ما يسميه الجابري "إشكالية السلف"، أي البحث الدائم عن شرعية الماضي بدلاً من إنتاج شرعية المستقبل.

ثانياً: العقل العربي بين البيان والعرفان والبرهان

ينطلق الجابري من فرضية أساسية مفادها أن لكل حضارة نظامها المعرفي الخاص الذي يحدد طرائق التفكير وإنتاج الحقيقة. وفي كتابه "تكوين العقل العربي" يميز بين ثلاثة أنظمة معرفية هي :

  1. النظام البياني القائم على اللغة والنص والقياس.
  2. النظام العرفاني القائم على الكشف والحدس والتصوف.
  3. النظام البرهاني القائم على العقل والاستدلال المنطقي.

ويعتبر أن الثقافة العربية الإسلامية، بعد القرن الخامس الهجري تقريباً، شهدت تراجعاً تدريجياً للعقل البرهاني الذي مثله فلاسفة مثل ابن رشد، مقابل صعود البيان والعرفان.

ويكتب الجابري في هذا السياق:"إن النهضة لا يمكن أن تتحقق إلا بإعادة بناء العقل العربي على أسس برهانية نقدية."

إن دلالة هذا الحكم لا تكمن في رفض التراث، بل في رفض تحويله إلى سلطة فوق التاريخ. فالعقل الذي يكتفي بإعادة إنتاج الموروث لا يستطيع إنتاج العلم، لأن العلم بطبيعته يقوم على الشك والنقد والتجاوز.

ومن هنا يصبح تخلف العالم العربي في إنتاج المعرفة الحديثة نتيجة لأزمة بنيوية في أدوات التفكير نفسها، لا مجرد نتيجة لنقص الموارد أو الإمكانات.

ثالثاً: الاستبداد السياسي بوصفه بنية لإعادة إنتاج التخلف

لا يفصل الجابري بين العقل والسياسة. فالبنية المعرفية السائدة تجد ترجمتها في بنية السلطة. فقد تشكلت الدولة العربية الحديثة، في أغلب تجاربها، وفق منطق سلطوي أعاد إنتاج ما سماه الجابري "العقل السياسي العربي" القائم على الغلبة والعصبية والشرعية التقليدية.

إن الاستبداد لا يقمع الحرية السياسية فحسب، بل يعطل إنتاج المعرفة أيضاً. فالمجتمع الذي يخشى السؤال لا يستطيع أن ينتج العلم، والجامعة التي تخضع للسلطة لا تستطيع أن تنتج المعرفة النقدية.

وهنا يلتقي الجابري مع رؤية المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي رأى أن السيطرة السياسية لا تكتمل بالقوة وحدها، بل عبر الهيمنة الثقافية التي تجعل الخضوع يبدو طبيعياً ومشروعاً.

فالاستبداد العربي لم يكتف بالسيطرة على الدولة، بل سعى إلى احتكار الحقيقة ذاتها، مما أدى إلى تدمير المجال العمومي الضروري لولادة العقل النقدي.

رابعاً: ماركس والتخلف العربي 

إذا كان الجابري قد ركز على البنية المعرفية، فإن كارل ماركس ركز على البنية الاقتصادية. ويرى الأخير أن الأفكار السائدة في كل عصر هي أفكار الطبقة السائدة. فالوعي لا يتشكل في فراغ، بل يتحدد إلى حد بعيد من خلال شروط الإنتاج المادي والعلاقات الاقتصادية.

ومن هذا المنطلق يمكن تفسير جانب من الأزمة العربية بوصفه نتاجاً لعلاقات تبعية تاريخية كرستها الرأسمالية العالمية.

لقد جرى دمج الاقتصادات العربية في السوق العالمية باعتبارها منتجة للمواد الخام ومستهلكة للمنتجات الصناعية والتكنولوجية الغربية. ونتيجة لذلك أصبحت التنمية العربية رهينة للخارج، وأصبحت النخب الحاكمة مرتبطة ببنى اقتصادية عالمية تحد من استقلال القرار الوطني.

غير أن أهمية الجابري تكمن في إضافته بعداً آخر لا نجده بوضوح عند ماركس، وهو أن البنية الاقتصادية وحدها لا تفسر استمرار التخلف. فالتبعية الاقتصادية تجد سندها في بنية ثقافية وعقلية تسمح بإعادة إنتاجها.

ومن هنا يمكن القول إن مشروع الجابري يمثل نوعاً من "المادية الثقافية" التي تكمل التحليل الماركسي ولا تنفيه.

خامساً: الاستعمار واستمرار الهيمنة بعد الاستقلال

يُجمع الجابري والماركسيون على أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل مشروعاً لإعادة تشكيل المجال السياسي والاقتصادي والثقافي في المستعمرات.

لقد خرج الاستعمار العسكري المباشر، لكن آثاره استمرت عبر التبعية الاقتصادية والثقافية والعسكرية.

ويقترب هذا التحليل من أفكار فرانز فانون الذي رأى أن أخطر آثار الاستعمار ليست احتلال الأرض فقط، بل استعمار الوعي وإنتاج نخب محلية تعيد إنتاج التبعية.

وفي الحالة العربية، تداخلت آثار الاستعمار مع الاستبداد الداخلي لتنتج ما يمكن وصفه بـ"الاستعمار المزدوج": هيمنة خارجية تدعمها سلطات داخلية عاجزة عن تحقيق التنمية والديمقراطية.

سادساً: الهيمنة الصهيونية كنتاج للأزمة الحضارية العربية

لا يمكن فهم صعود المشروع الصهيوني بمعزل عن السياق الدولي الاستعماري، لكنه لا يمكن تفسيره أيضاً دون النظر إلى حالة التراجع العربي.

ففي الوقت الذي كانت فيه الحركة الصهيونية تبني مؤسسات علمية واقتصادية وعسكرية حديثة، كانت المجتمعات العربية غارقة في صراعاتها الداخلية وأزماتها البنيوية.

إن التفوق الصهيوني لم يكن نتيجة التفوق العسكري فقط، بل نتيجة التفوق في إنتاج المعرفة والتنظيم والمؤسسات.

ومن منظور الجابري، فإن الهزائم العربية المتكررة تكشف قبل كل شيء عن أزمة في العقل السياسي العربي، وعن فشل النخب في بناء مشروع حضاري قادر على توظيف العلم والتكنولوجيا في خدمة التحرر الوطني.

سابعاً: القضية الفلسطينية بوصفها مرآة لأزمة النهضة العربية

تمثل فلسطين، في أحد أبعادها العميقة، اختباراً تاريخياً لمشروع النهضة العربية كله. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد قضية حدود أو أرض محتلة، بل قضية ترتبط بطبيعة النظام العربي ذاته.

لقد كشف المسار التاريخي للصراع أن غياب الديمقراطية والتنمية والبحث العلمي والوحدة الاستراتيجية في العالم العربي انعكس مباشرة على القدرة على دعم النضال الفلسطيني.

ومن ثم فإن ضياع أجزاء واسعة من الحقوق الفلسطينية لا يمكن عزله عن فشل مشروع التحديث العربي برمته.

فكل تراجع في الحرية والعقلانية والمعرفة داخل المجتمعات العربية كان ينعكس تراجعاً في القدرة على مواجهة المشروع الصهيوني.

خاتمة: نحو نهضة عربية جديدة

إن القيمة الفكرية الكبرى لمشروع محمد عابد الجابري تكمن في أنه نقل سؤال النهضة من مستوى الشعارات السياسية إلى مستوى نقد العقل ذاته. فالتحرر من التخلف لا يبدأ بإصلاح الاقتصاد أو السياسة فقط، بل يبدأ أيضاً بإصلاح أدوات التفكير وإعادة بناء العلاقة مع التراث على أسس نقدية وعقلانية.

وعندما نقرأ الجابري إلى جانب ماركس وغرامشي وفانون، يتضح أن الأزمة العربية ليست أحادية البعد، بل هي نتاج تفاعل معقد بين الاستبداد السياسي والتبعية الاقتصادية والتشوه الثقافي والاستعمار الخارجي.

ومن ثم فإن استعادة القضية الفلسطينية واستعادة المكانة الحضارية للعالم العربي والإسلامي تمر عبر مشروع نهضوي جديد يقوم على أربعة مرتكزات أساسية: تحرير العقل من الجمود، وتحرير السياسة من الاستبداد، وتحرير الاقتصاد من التبعية، وبناء مجتمع المعرفة القادر على إنتاج العلم والتكنولوجيا. فبدون هذه الشروط ستظل فلسطين تعكس، بصورة مؤلمة، أزمة النهضة العربية المؤجلة.