الاخبار الرئيسية

الكاتب والمؤرخ ايلان بابيه : تصدعات تنخر المجتمع الإسرائيلي وتنبئ بإنهيار الدولة  

125 مشاهدة قراءة 15 دقيقة

تل ابيب-واثق نيوز-ترجمة -قال المؤرخ الاسرائيلي اللامع إيلان بابيه، ان انهيار إسرائيل ليس خيارًا سياسيًا قابلًا للقبول أو الرفض، بل هو سيرورة موضوعية انطلقت فعليًا" .

ويضيف الكاتب والمؤرخ والمناهض للصهيونية  بابيه في كتابه "إسرائيل على حافة الانهيار"، المترجم والصادر مؤخرًا عن دار منشورات تكوين. من يراجع الكتاب، سينتبه إلى أنني ابدوا متفائلًا إزاء الواقع أكثر مما تشي به الوقائع يوميًا، فـ"إسرائيل على حافة الانهيار" .

يشار الى ان الكتاب أشبه ببيان سياسي، بمسحة استشرافية تنذر كلًا من الإسرائيليين والفلسطينيين بضرورة الاستعداد معًا لمرحلة ما بعد إسرائيل. وما يعنيه بابيه بالانهيار هو نهاية نظام الحكم في إسرائيل ببنيته الصهيونية-الاستيطانية، وربما تنطوي كلمة "نهاية" على قدر من الجزم المبالغ فيه، كما يقول بابيه نفسه في مقدمة كتابه، إلا أن ثمة تصدعات، برأيه، باتت غائرة في صلب إسرائيل الصهيونية، بلغت من العمق حدًا لا يمكن لأي إصلاح أن يرممه.

 وتجيب الفصول الأولى من كتاب "إسرائيل على حافة الانهيار" عن سؤال دافع حتمية الانهيار التي يردّها بابيه إلى جملة عوامل، من بينها أفول صناعة السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين بوساطة أميركية منذ ما بعد عام 1967. إذ لم يرَ الأميركيون في العملية السلمية، برأي بابيه، إلا منعًا للحرب، لا ضمانًا للسلام الفعلي بين الشعبين، وذلك إلى أن بات الوضع القائم اليوم هو التسوية النهائية بالنسبة للإسرائيليين، في ظل تغول الصهيونية الدينية وسعيها لابتلاع الضفة الغربية والقدس وإبادة غزة مؤخرًا. ولم يعد الإسرائيليون يرون صراعهم مع حماس والقوى الفلسطينية المسلحة بوصفه استمرارًا للمقاومة الفلسطينية التاريخية للاحتلال، إنما بوصفه جزءًا من حربهم ضد "الإرهاب الإسلامي"، لتبدو إسرائيل فيها كما لو أنها تقف في صف العدالة العالمية ضد الإرهاب.

ثمة تصدعات تنخر المجتمع الإسرائيلي، بالنسبة لإيلان بابيه، تشي بانهياره، وأهمها ذلك التصدع المتصل بالصراع الجاري ما بين الليبراليين والثيوقراطيين اليهود على هوية نظام دولة إسرائيل، والذي، بالنسبة لبابيه، هو صراع بات يتخذ شرخًا كيانيًا ما بين إسرائيل الصهيونية بنسختها الليبرالية، ويهودا، الكيان الأيديولوجي الذي ولد من رحم المستوطنات في الضفة الغربية كنسخة ثيوقراطية تمزج ما بين تطلعات الصهيونية الدينية وصرامة اليهودية الأرثوذكسية، وتطورت عن الصهيونية التقليدية بالأساس.

وبالنسبة لبابيه، وإن كان عنف ما يسميه دولة يهودا موجهًا حاليًا بالأساس ضد الفلسطينيين، بوصفهم التحدي الأكبر لمشروع دولة يهودا، فإن هذا وحده لا يشكل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، إذ يمكن لغالبية اليهود العلمانيين التعايش مع ذلك، أي أن يظل عنف يهودا ومشروعها موجهًا نحو الفلسطينيين في الضفة الغربية حصرًا. غير أن موقف دولة يهودا من اليهود العلمانيين هو القنبلة الموقوتة الحقيقية، يقول إيلان بابيه، قنبلة موقوتة كفيلة بتقويض أي مسعى لترميم وحدة المجتمع الإسرائيلي، لا على المدى القريب ولا البعيد حتمًا. وذلك إذ لطالما اعتبر الحاخام إسحاق كوك (1865-1935)، الأب المؤسس للثيوقراطية الصهيونية، العلمانيين اليهود بمثابة "حمار المسيح"، في إشارة إلى دور العلمنة والعلمانيين اليهود في وضع أسس إسرائيل وإعلان قيامها، تحضيرًا لدور اليهود المتدينين الحالي في إتمام مشروع الدولة اليهودية الخالصة.

ويشير الكاتب إلى تصدعات أخرى، منها تنامي عزلة إسرائيل عالميًا في السنوات الأخيرة، وكذلك التحول في موقف يهود الولايات المتحدة من إسرائيل في مسار فك ارتباطهم بالصهيونية، خصوصًا لدى جيل الشباب. وكذلك التصدع الناجم عن الركود الاقتصادي، إضافة إلى ذلك التصدع الذي طاول الجيش الإسرائيلي ومؤسسات الأمن وغيرها من التصدعات التي باتت تنهش إسرائيل، الدولة والمجتمع. إلا أننا سنقف عند التصدع المتصل بإسرائيل ويهودا، بحسب تعبير بابيه، والذي لم يوضح للقارئ كيف لهذا الصراع أن ينهي النظام الصهيوني للدولة العبرية؟ وهل ثمة حرب أهلية-داخلية سيسفر عنها صراع إسرائيل-يهودا؟ ولماذا سينهي الصراع النظام برمته، وليس حسمًا لطرف على حساب الآخر؟ هذه أسئلة توقظها رؤية بابيه في كتابه الذي لم يجب عنها.

ولا يزال الصراع بثنائيته التي أشار إليها بابيه، "إسرائيل-يهودا"، جاريًا تحت سقف جوهر الصهيونية وليس عليها، على الأقل فيما يتعلق بالسؤال الفلسطيني. ويبدو أنه كلما اتسعت هوة التناقض داخل المجتمع الإسرائيلي، اشتدت موجة ترحيل هذا التناقض ودفعها نحو الفلسطينيين عبر استيطان وتهويد أكبر، وقتل أكثر بأقل كلفة من تأنيب الضمير. ما يعني أن الصراع الإسرائيلي الداخلي على نظام الدولة وهويته لا يهدد هذا الأخير بقدر ما يهدد الوجود الفلسطيني ذاته على كامل تراب فلسطين التاريخية، لا بل سيطاول التمدد الاستيطاني الأمني لإسرائيل بنسختها الثيوقراطية جوارها في سورية ولبنان شمالًا، وغزة جنوبًا، كمحاولة لترحيل المواجهة الداخلية أو تأجيلها على حساب العرب على الأقل. لا تنتهي الدول لمجرد تفاقم الشرخ داخلها بالضرورة، إنما شكلًا منها هو ما ينهيه الشرخ لصالح شكل آخر، يُعيد بدوره تعريف جوهرها، تمامًا كما هو جارٍ، حيث يبدو تغول الصهيونية الدينية مسودة عن إسرائيل المستقبلية.

ثورات مصغرة

ينتقل إيلان بابيه في فصول الجزء الثاني من كتابه إلى تناول ما أطلق عليه "الثورة المصغرة أو الثورات المصغرة"، كما لو كان بابيه يجيب فيها عن سؤال: ما العمل؟ وهو سؤال موجه للفلسطينيين بالدرجة الأولى، حيث على الفعل الثوري المصغر أن يفضي إلى إنهاء الحالة الاستعمارية في فلسطين وإرساء التعايش بين الفلسطينيين واليهود فيها. وذلك انطلاقًا من ثورة فلسطينية على مستوى التنظيم، إذ على الفلسطينيين إعادة تنظيم أنفسهم، سواء بإعادة إصلاح منظمة التحرير نفسها أو بتشييد كيان تنظيمي جديد من الصفر، بما يتجاوز الانقسام الفصائلي الفلسطيني الحالي، ويعيد تعريف وتحديد دور السلطة الفلسطينية التي تآكلت شرعيتها السياسية، بحسب بابيه.

ومن ثم، على الفلسطينيين، إذا ما حدث الانهيار، الاستعداد لتحول يستند إلى العدالة بشقيها: الانتقالية والتصالحية؛ تقتضي الأولى توظيف العمليات القضائية لمعالجة الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان في سياق التحول السياسي، بينما تعتمد الأخرى على اعتراف الجناة بجرائمهم واستنطاق الضحايا، سعيًا إلى انخراط الطرفين معًا في مسار مشترك لترميم الأضرار التاريخية. يتصور بابيه تطبيق العدالة بشقيها ممكنًا إذا ما قامت على أساس ثلاثة مبادئ محورية: الاعتراف، والمساءلة، والقبول. ويعني الاعتراف أنه لا بد للإسرائيليين من الاعتراف باقترافهم مظالم بحق الفلسطينيين أفضت إلى مآس عميقة، وإنهاء إنكار النكبة والاعتراف باستمرارية النكبة.

بينما المساءلة مرحلة ما بعد الاعتراف، يترتب عليها، بالنسبة لبابيه، تنفيذ حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، الذي يفصل بابيه في إمكانيته عمليًا بفصل خاص من كتابه. وذلك ضمن مسارات من المساءلة تشمل تدابير عملية ملموسة ومعقولة متصلة بتقديم الدعم المادي واللوجستي اللازم لاستقبال اللاجئين العائدين، وإطلاق مشاريع إعمار الحواضر المدنية، فضلًا عن تعويض الضحايا والناجين. أما القبول، فهو ما سيقع على عاتق الفلسطينيين بعد إقرار الإسرائيليين بفظائع الماضي والحاضر وإبداء المسؤولية عنها، مما سيمهد لقبول فلسطيني وعربي إسلامي بوجود كتلة يهودية كبيرة في فلسطين التاريخية.

وماذا عن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية؟ عن ذلك، يقترح إيلان بابيه وضع مستوطنات الضفة ضمن مسار العدالة الانتقالية، أو ما أطلق عليه "العدالة الانتقالية في السياق الحضري". ففي مرحلة ما بعد الصهيونية وإسرائيل الاستعمارية، يمكن الإبقاء على المستوطنات شريطة إعادة تعريفها وإعادة تسميتها بما ينزع عنها الصفة الكولونيالية التي نشأت عليها. فالمباني، بالنسبة لبابيه، على خلاف التماثيل، تتمتع بمرونة وظيفية تتيح إعادة توظيفها في سياقات جديدة، بينما للتماثيل حمولة رمزية متصلة بمرحلة تشييدها، وبالتالي لا يمكن الإبقاء عليها. باختصار، إن تعريب المستوطنات ممكن، يقول إيلان بابيه.

ولما قطّع المشروع الصهيوني أوصال فلسطين وقطع صلتها بمشرقها العربي، فإن الثورة المصغرة بالنسبة لبابيه تتجسد كذلك عمليًا في استعادة ارتباط فلسطين المادي بالمشرق. وذلك عبر إعادة فتح فلسطين على فضاء المشرق العربي-الإسلامي ما قبل انهيار السلطنة العثمانية والغزو الأجنبي الاستعماري للمشرق في الحرب العالمية الأولى، عبر شبكات الطرق والسكك الحديدية والخطوط الجوية، بما يتيح نسج بنية حياتية جديدة تنبثق وتتشكل من صلب المشاريع الاقتصادية والتبادلات الثقافية والروابط الأسرية، في ظل مناخ يكفل حرية التنقل للجميع. وذلك تجاوزًا للدولة القومية الوستفالية التي انبثقت عن مرحلة الاستعمار وما بعده في المنطقة، في محاولة لخلق نموذج سياسي يتمتع الفرد فيه بمواطنة مزدوجة المرجعية، حيث ينتمي إلى "جماعته المسكونية"، أي الإثنوثقافية، من جهة، وإلى كيان سياسي "فوق وطني" من جهة أخرى. ما يعني أن بابيه يقترح تصورًا سياسيًا للمشرق برمته متجاوزًا للتراب الفلسطيني.

كما تمتد الثورة المصغرة عند بابيه إلى حيث يُعاد فيها صياغة الهوية الجماعية اليهودية في دولة ما بعد إسرائيل الجديدة. وتتجسد هذه الإعادة في مسارين متوازيين، يقول بابيه: الأول، خارج فلسطين، حيث تناقش أطروحات متعددة، قديمة وحديثة، تسعى لإعادة تعريف اليهودية بما يفك ارتباطها بالصهيونية. بينما المسار الثاني، داخل فلسطين، أي نقاش فلسطيني داخلي حول كيفية تعامل الحركة الوطنية مع مسألة الهوية اليهودية في فلسطين محررة من استعمارها.

في الأخير

يتوجه كتاب إيلان بابيه "إسرائيل على حافة الانهيار" إلى القارئ الفلسطيني والعربي أكثر مما يقصد الكتاب الإسرائيليين واليهود عمومًا، وذلك إذ يعتبر بابيه الفلسطينيين الأكثر مظلومية من المشروع الصهيوني، والأكثر حاجة واستعدادًا لمرحلة ما بعده. عدا عن غياب شريك إسرائيلي-يهودي، في واقع حال إسرائيل، لمشروع بابيه ما بعد إسرائيل. قد تبدو فكرة حتمية الانهيار، والثورة المصغرة بنسخها الثماني التي يقترحها بابيه كخارطة طريق، أشبه بمخيال رومانسي أقرب لليوتوبيا لمن يعاين الشكل الذي باتت عليه إسرائيل الـ"بن غفيرية". غير أن أهمية كتاب إيلان بابيه في أمرين: الأول، ثقة الكاتب في أن مسار المشروع الصهيوني ببنيته الكولونيالية بات مسدودًا.

والثاني، إصراره على أن ثمة ما يمكن اجتراحه من أفق عيش لكلا الشعبين على أرض فلسطين بشروط عدالة هذه الأخيرة.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية