الاخبار الرئيسية

من قلنديا إلى جنين وطولكرم ونور شمس: حين يصبح الألم الشعبي والمعاناة الجدية حكرا على اهالي المخيمات

10 مشاهدة
من قلنديا إلى جنين وطولكرم ونور شمس: حين يصبح الألم الشعبي والمعاناة الجدية  حكرا على اهالي المخيمات

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير

ثمة سؤال فلسطيني مؤجل، وربما جرى تأجيله طويلًا لأن طرحه في زمن المواجهة يبدو للبعض ضربًا من الترف أو خروجًا عن الإجماع: من يدفع ثمن الصراع، ومن يملك حق جني ثماره؟ ليس السؤال هنا عن الاحتلال بوصفه المسؤول الأول والمباشر عن المأساة الفلسطينية؛ فهذه حقيقة لا تحتاج إلى تزيين أو مواربة. الاحتلال هو الذي يقتحم ويقتل ويعتقل ويهدم ويهجّر ويصادر الأرض ويعيد تشكيل الجغرافيا بالقوة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه داخل البيت الفلسطيني هو سؤال آخر أكثر حساسية: لماذا يبدو أن كلفة المواجهة موزعة بصورة غير عادلة، ولماذا تتحمل بعض المناطق، وفي مقدمتها المخيمات، الجزء الأكبر من النار والدمار والتهجير، بينما تبدو طبقات أخرى أبعد نسبيًا عن هذه الكلفة، وأكثر قدرة على تحويل نتائج الصراع إلى نفوذ سياسي أو حضور اجتماعي أو مكاسب اقتصادية؟

قلنديا ليس مجرد مخيم آخر في الجغرافيا الفلسطينية. هو واحد من الصور الأكثر وضوحًا لمفارقة فلسطينية عميقة: المكان الذي يحمل ذاكرة النكبة ويعيش في قلب الصراع، هو نفسه المكان الذي يجد نفسه في كل مرة أمام فاتورة جديدة من الدم والخراب والخوف. وعندما ننظر إلى قلنديا من خلال ما جرى ويجري في جنين وطولكرم ونور شمس، ندرك أن القضية لا تتعلق بحادثة منفصلة، وإنما بنمط يتكرر بأشكال مختلفة؛ المخيم يصبح ساحة المواجهة، وأبناءه  يصبحون في مقدمة الذين يدفعون الثمن، ثم ينتهي المشهد السياسي من دون أن يكون واضحًا دائمًا لمن تعود ثمار كل هذه التضحيات.

المخيم الفلسطيني نشأ أصلًا من الخسارة. هو المكان الذي أنشئ فوق جرح لم يلتئم، وحمل إليه اللاجئون ما استطاعوا حمله من مفاتيح البيوت وذاكرة القرى وأسماء الأماكن التي طُردوا منها. ومع مرور العقود، تحولت المخيمات من أماكن مؤقتة كان يفترض أن تنتهي بانتهاء مشكلة اللجوء إلى مجتمعات كاملة، لها اقتصادها وشوارعها وبيوتها وأجيالها وذاكرتها السياسية. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: المخيم ظل أقرب إلى خط النار من غيره. ولذلك فإن كل جولة مواجهة لا تبدأ من الصفر بالنسبة إلى سكانه؛ إنها تضاف إلى طبقات متراكمة من الخوف والفقدان والحرمان.

في جنين، وفي طولكرم ونور شمس، لم يعد الدمار مجرد صور عابرة بعد اقتحام عسكري. لقد أصبح جزءًا من إعادة تشكيل المكان نفسه. حين تهدم المنازل، تتشرد العائلات؛ وحين تجرف الأزقة، تتغير حياة الناس؛ وحين تتضرر شبكات المياه والكهرباء والطرق، لا ينتهي الضرر بانتهاء العملية العسكرية، بل يمتد إلى المدرسة والعمل والمستشفى والسوق والعلاقات الاجتماعية. الاحتلال لا يضرب الحجر وحده، وإنما يضرب قدرة المجتمع على إعادة إنتاج حياته الطبيعية. وهذه النقطة هي التي تجعل المخيم مختلفًا عن مجرد منطقة جغرافية تتعرض لعملية عسكرية؛ لأن ضرب المخيم يعني ضرب شبكة اجتماعية كثيفة أصلها قائم على اللجوء والتكافل والذاكرة.

لكن المأساة لا تتوقف عند ما يفعله الاحتلال. هناك مأساة أخرى أكثر هدوءًا وأقل ظهورًا في الصور، وهي تلك التي تتشكل داخل نفس الإنسان الذي يدفع الثمن باستمرار. فالإنسان يستطيع أن يتحمل التضحية حين يعتقد أن هناك معنى لتضحياته، وأن الألم الذي يعيشه جزء من طريق يقوده إلى نتيجة عادلة. أما حين يصبح الألم متكررًا، والدمار متكررًا، والتهجير متكررًا، بينما تبدو النتائج السياسية بعيدة، ويشعر الإنسان أن غيره هو من يتحدث باسم معاناته ويتخذ القرارات المتعلقة بمصيره، فإن التضحية تبدأ بالتحول نفسيًا من مصدر للفخر إلى مصدر للسؤال.

وهنا تكمن واحدة من أخطر المشكلات التي تواجه المجتمعات الواقعة تحت الاحتلال: ليس الخوف وحده هو الذي ينهك الإنسان، وإنما الإحساس بأن خوفه لا يغير شيئًا. وليس الفقر وحده هو الذي يقتل الأمل، وإنما الإحساس بأن الفقر قدر مكتوب على فئة بعينها بينما يستطيع آخرون الابتعاد عن الكلفة. وليس فقدان البيت وحده هو المشكلة، وإنما أن يرى صاحبه بعد ذلك من يعيش حياة طبيعية وكأن شيئًا لم يحدث. عند هذه النقطة يبدأ الشعور بالظلم في التحول إلى حالة نفسية عميقة، وقد يصبح أكثر خطورة من الألم المادي نفسه.

إن ابن المخيم لا يسأل فقط: لماذا يقتحم الاحتلال منزلي؟ بل قد يسأل في لحظة ما: لماذا أنا دائمًا في المكان الذي يدفع الثمن؟ ولماذا يتحول المخيم إلى عنوان للبطولة عندما تحتاج السياسة إلى البطولة، ثم يصبح آخر العناوين عندما يحين وقت التنمية وإعادة البناء وتحسين مستوى الحياة؟ لماذا يكون أبناء المخيم في الصف الأول عندما يتعلق الأمر بالتضحية، لكنهم لا يكونون بالضرورة في الصف الأول عندما يتعلق الأمر بالفرص والموارد والتمثيل وصناعة القرار؟

هذه الأسئلة لا تعني أن أبناء المخيم يريدون الانسحاب من القضية أو التخلي عن المقاومة أو التنصل من مسؤوليتهم الوطنية. العكس هو الصحيح. إن أكثر ما يهدد القضية هو أن تتحول التضحية الوطنية إلى امتياز دائم لمن لا يدفعون ثمنها مباشرة. فالتضحية في أي مجتمع تحتاج إلى عدالة حتى تستمر. وإذا كان المطلوب من الفقير أن يدفع كما يدفع الغني، ومن ابن المخيم أن يتحمل ما لا يتحمله غيره، ومن العائلة المهدمة أن تصبر أكثر من غيرها، فإن السؤال الأخلاقي يصبح حتميًا: على ماذا يحصل هؤلاء في المقابل؟

المشكلة ليست في وجود طبقة ميسورة فلسطينية، ولا في أن يعيش بعض الناس حياة أفضل من غيرهم. فالمجتمعات بطبيعتها متفاوتة، والثروة ليست جريمة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الفوارق الاجتماعية إلى فوارق في الإحساس بالواقع، وعندما يصبح هناك فلسطيني يعيش الاحتلال باعتباره اقتحامًا محتملًا في الأخبار، وفلسطيني آخر يعيشه باعتباره صوتًا على باب منزله في الثالثة صباحًا. هناك من يعرف الحاجز من شاشة الهاتف، وهناك من يعرفه من ساعات الانتظار. هناك من يسمع عن هدم منزل، وهناك من يقف أمام أنقاض منزله. هذه الفجوة في التجربة يمكن أن تتحول مع الوقت إلى فجوة في الوعي، ثم إلى فجوة في السياسة، ثم إلى أزمة ثقة بين من يدفع ومن يتحدث باسم من يدفع.

وهنا يصبح تعبير "الطبقة المخملية" أكثر من مجرد وصف اقتصادي؛ يصبح وصفًا لحالة انفصال. المقصود ليس اتهام كل ميسور أو كل مسؤول، وإنما الإشارة إلى تلك النخبة التي قد تنشأ داخل أي مجتمع سياسي عندما تصبح قادرة على الوصول إلى الموارد والقرار والحركة والمعلومات بصورة تفوق بكثير قدرة الناس العاديين. هنا الخطر يبدأ عندما تتحول هذه القدرة إلى حصانة اجتماعية، وعندما تصبح معاناة المخيم مادة للخطاب لا مسؤولية تجاه أصحابها.

فالمخيم لا يحتاج إلى المزيد من الخطابات التي تقول له إنه صامد . هو يعرف أنه صامد. ولا يحتاج إلى أن يسمع أنه عنوان التضحية؛ لقد دفع ثمن ذلك بما يكفي. ما يحتاجه هو أن يشعر بأن تضحيته لها مكان في العدالة الاجتماعية، وأن أبناءه لهم حق في التعليم والعمل والرعاية والسكن والبنية التحتية والحياة الكريمة. يحتاج إلى أن يشعر أن الشهيد ليس مجرد صورة في مناسبة او معلقة على جدار ، وأن الأسير ليس مجرد اسم في بيان، وأن العائلة التي فقدت منزلها ليست وحدها في مواجهة الخراب، وأن الطفل الذي نشأ وسط الاقتحامات لا يُترك وحده ليحمل آثارها النفسية طوال حياته.

وهنا تتضح خطورة المسألة نفسيًا. المجتمعات التي تعيش الصراع الطويل لا تنهار فقط عندما تُهزم عسكريًا؛ يمكن أن تنهار عندما تفقد الثقة في عدالة توزيع الأعباء. الإنسان يستطيع أن يقاوم ظروفًا قاسية إذا شعر أن الجميع في القارب نفسه، لكنه يبدأ في التمرد النفسي عندما يرى أن بعض الناس يطلبون منه المزيد من الصبر بينما يعيشون هم بعيدًا عن أكثر آثار الأزمة قسوة. لذلك فإن الحفاظ على تماسك المجتمع الفلسطيني لا يكون فقط بتوحيد الخطاب السياسي، وإنما أيضًا بإعادة بناء الإحساس بالعدالة.

من هنا يجب أن نقرأ مخيمات قلنديا وجنين وطولكرم ونور شمس باعتبارها اختبارًا للضمير السياسي الفلسطيني كله. فهذه المخيمات ليست مجرد مناطق متضررة تحتاج إلى إعادة إعمار بعد انتهاء العمليات؛ إنها مجتمعات دفعت ثمنًا تاريخيًا ومتكررًا، وأصبحت بحاجة إلى سياسة تنظر إليها باعتبارها شريكًا كاملًا في تقرير مستقبلها، لا مجرد خزان للتضحيات البشرية.

لقد اعتدنا، ربما أكثر مما ينبغي، أن نطرح سؤالًا واحدًا: كيف يستطيع المخيم أن يصمد؟ لكن السؤال الذي يجب أن يرافقه هو: لماذا نطلب من المخيم أن يصمد إلى الأبد؟ لماذا يصبح الصمود واجبًا عليه وحده؟ ولماذا لا تتحول طاقة المجتمع الفلسطيني كله إلى حماية المخيم ودعمه وإعادة بناء ما تهدم فيه؟ لماذا تكون البطولة دائمًا من نصيب الفقراء، بينما تكون بعض عوائد السياسة والاقتصاد من نصيب الأكثر قدرة على الوصول إلى مراكز النفوذ؟

إن العدالة لا تعني أن يتساوى الجميع في مستوى المعيشة، وإنما تعني أن لا تتحول التضحية إلى عقوبة طبقية. لا يجوز أن يكون مكان ولادة الإنسان سببًا في أن يتحمل أضعاف المخاطر ويحصل على نصف الفرص. ولا يجوز أن يصبح المخيم قدرًا اجتماعيًا يحدد مستقبل أبنائه قبل أن يبدأوا حياتهم.

ولذلك فإن القضية الفلسطينية تحتاج إلى مراجعة عميقة لمفهوم التضحية نفسه. التضحية ليست شيكًا على بياض، وليست تفويضًا دائمًا لأي قيادة أو تنظيم أو نخبة كي تتحدث باسم الناس دون مساءلة. من يدفع الثمن له الحق في السؤال: ماذا تحقق؟ أين تذهب الموارد؟ من يقرر؟ من يمثلنا؟ من يعيد بناء ما تهدم؟ ومن يضمن ألا تتحول المعاناة إلى وسيلة لإنتاج طبقة سياسية جديدة تعيش على ذاكرة التضحيات أكثر مما تعيش نتائجها؟

إن طرح هذه الأسئلة ليس إضعافًا للمقاومة ولا طعنًا في الوطنية، بل هو حماية للمجتمع من التآكل الداخلي. الاحتلال يريد مجتمعًا منهكًا ومجزأً، لكن المجتمع الفلسطيني يستطيع أن يهزمه أخلاقيًا وسياسيًا عندما يثبت أن التضحية لا تعني الاستغلال، وأن البطولة لا تعني الفقر، وأن الصمود لا يعني أن يبقى الإنسان محرومًا من أبسط حقوقه.

المطلوب إذن ليس أن نتوقف عن الحديث عن المخيم، بل أن نتوقف عن الحديث عنه بالطريقة القديمة. لا نريد مخيمًا يُستدعى في الخطاب عندما نحتاج إلى صورة للبؤس والبطولة، ثم يُنسى عندما توزع الموارد والأدوار والفرص. نريد مخيمًا حاضرًا في القرار، وفي التنمية، وفي التعليم، وفي الاقتصاد، وفي السياسة، وفي تحديد الأولويات الوطنية. نريد أن يتحول أبناء المخيم من موضوع للخطاب إلى شركاء في صناعة الخطاب والقرار.

قلنديا، مثل جنين وطولكرم ونور شمس، تقول لنا شيئًا لا ينبغي تجاهله: إن الاحتلال يستطيع أن يدمر بيتًا، لكنه لا ينبغي أن يكون قادرًا على تدمير ثقة الإنسان بمجتمعه. وإذا كان الاحتلال يفرض على الفلسطينيين كلفة هائلة، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن توزع هذه الكلفة بالعدالة، وأن تتوزع معها المسؤولية والقرار والموارد والفرص.

في النهاية، ليست المشكلة أن المخيم يدفع الثمن؛ فالمخيم كان دائمًا في قلب المأساة الفلسطينية. المشكلة أن يبقى المخيم هو من يدفع الثمن بينما يظل السؤال عن ثمار التضحية بلا إجابة. فحين يسقط الشهيد، يجب أن تبقى كرامة عائلته مصونة. وحين يُهدم البيت، يجب أن تبدأ عملية إعادة البناء كحق لأصحابه لا من حسابات السياسة. وحين يعيش الطفل سنوات من الخوف، يجب أن يجد مدرسة ومستقبلًا ورعاية تعيد إليه شيئًا من الحياة التي سُرقت منه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية ليس أن يتعب المخيم من المواجهة، وإنما أن يتعب من الشعور بأنه وحده في المواجهة. ولذلك فإن المعركة الحقيقية لا تتعلق فقط بكيفية حماية الأرض من الاحتلال، بل أيضًا بكيفية حماية الإنسان الذي يعيش عليها من الإحساس بأنه مجرد أداة في صراع أكبر منه.

فإذا كان المخيم هو الذي دفع، فيجب أن يكون له الحق في أن يسأل عن الثمن والنتيجة. وإذا كانت التضحيات فلسطينية، فيجب أن تكون ثمارها فلسطينية أيضًا، لا امتيازًا لنخبة أياً كان موقعها. وإذا كان المخيم هو ذاكرة النكبة، فيجب ألا يتحول إلى ضحية دائمة لها. لقد آن الأوان لأن ينتقل الخطاب من تمجيد قدرة المخيم على تحمل الألم إلى بناء قدرة المخيم على صناعة المستقبل.

فالمخيم لا يريد أن يكون بطلًا إلى الأبد؛ المخيم يريد أن يعيش.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية