الاخبار الرئيسية

من غزة إلى الليطاني: هل ترسم إسرائيل حدود "الحرب الدائمة" في المشرق؟

114 مشاهدة
من غزة إلى الليطاني: هل ترسم إسرائيل حدود "الحرب الدائمة" في المشرق؟

غزة-جنوب لبنان-اعداد:واثق نيوز-الخرائط لا تكذب، لكنها لا تقول الحقيقة كاملة أيضاً. ففي الحروب الحديثة، غالباً ما تكون الخطوط المرسومة على الأرض أكثر أهمية من التصريحات السياسية. وما يجري اليوم في غزة، بالتوازي مع ما يحدث في جنوب لبنان، يوحي بأن إسرائيل لم تعد تفكر بمنطق العمليات العسكرية المؤقتة، بل بمنطق إعادة هندسة الجغرافيا الأمنية المحيطة بها.

في غزة، لا يبدو أن الهدف الإسرائيلي يقتصر على هزيمة فصيل أو تفكيك بنية عسكرية. فبعد أشهر طويلة من القتال، بدأت ملامح مشروع أوسع بالظهور: تقسيم ميداني للقطاع، إنشاء أحزمة أمنية واسعة، وتحويل أجزاء من الأرض الفلسطينية إلى مناطق عازلة يصعب العودة عنها مستقبلاً. هنا يصبح "الخط الأصفر" أكثر من مجرد خط عسكري؛ إنه تعبير عن تصور استراتيجي جديد للحدود الفعلية التي تريد إسرائيل فرضها بقوة السلاح.

هذا الخط لا يرسم حدود دولة، بل حدود نفوذ وسيطرة. إنه يقول عملياً إن إسرائيل لم تعد تثق بالحدود الدولية أو بالاتفاقات الأمنية وحدها، بل تريد مساحات فاصلة تخضع لرقابتها المباشرة أو لنيرانها الدائمة. ولذلك فإن المسألة ليست أين تقف الدبابات اليوم، بل أين تريد إسرائيل أن تمنع خصومها من العودة غداً.

المثير أن المنطق نفسه يظهر في جنوب لبنان.

ففي العقيدة الأمنية الإسرائيلية القديمة، كان نهر الليطاني يمثل دائماً خطاً مثالياً لإبعاد التهديدات عن الجليل. لم يكن الأمر متعلقاً بالمياه كما شاع في بعض الأدبيات العربية، بل بالعمق الجغرافي. فالمسافة بين الحدود والليطاني تمنح إسرائيل هامشاً دفاعياً واسعاً، وتقلل من قدرة أي قوة معادية على الاقتراب من التجمعات الإسرائيلية الشمالية.

لهذا السبب يكتسب موقع الشقيف أهمية استثنائية. من يقف على الشقيف لا يراقب تلة أو قرية، بل يشرف على شبكة واسعة من الأودية والطرق والمساحات المفتوحة في جنوب لبنان. إنه موقع يختصر فلسفة السيطرة الإسرائيلية القائمة على امتلاك المرتفعات التي تمنح العين القدرة على رؤية ما قبل الخطر، لا بعد وقوعه.

عند الربط بين غزة والشقيف والليطاني، يظهر خيط استراتيجي واحد: إسرائيل تسعى إلى تحويل الجبهات المحيطة بها من ساحات مواجهة إلى مناطق احتواء. هي لا تبحث فقط عن ردع الخصم، بل عن إعادة تشكيل البيئة الجغرافية التي يتحرك فيها الخصم.

لكن هنا تكمن المفارقة.

فكلما اتسعت المناطق العازلة، اتسعت معها مشكلة إدارتها. والتجربة الإسرائيلية في جنوب لبنان بين عامي 1982 و2000 تقدم درساً واضحاً. فقد نجحت إسرائيل آنذاك في السيطرة على الأرض، لكنها فشلت في تحويل تلك السيطرة إلى استقرار دائم. ومع مرور الوقت، تحولت المنطقة الأمنية نفسها إلى مصدر استنزاف مستمر انتهى بالانسحاب.

اليوم يبدو أن صناع القرار في تل أبيب يعتقدون أن الظروف مختلفة. فالتطور التكنولوجي، والتفوق الاستخباراتي، والرقابة الجوية الدائمة، كلها عوامل تجعلهم يراهنون على إمكانية الاحتفاظ بأحزمة أمنية دون التورط في احتلال تقليدي واسع.

غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالقدرة العسكرية، بل بالنتائج السياسية. فالتاريخ الحديث للمنطقة يشير إلى أن الخطوط التي تُرسم بالقوة قد تنجح في تأخير الصراع، لكنها نادراً ما تنهيه. وكلما تحولت الحدود إلى جدران أمنية، تحولت المناطق الواقعة خلفها إلى بؤر توتر مؤجلة.

لذلك فإن ما نشهده من غزة إلى الليطاني قد لا يكون مجرد إعادة انتشار عسكري، بل محاولة إسرائيلية لرسم خريطة أمنية جديدة للمنطقة. خريطة تقوم على الأحزمة العازلة، والمرتفعات المسيطر عليها، وخطوط الفصل الدائمة. لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل هذه الخريطة ليس أين ستُرسم الخطوط، بل إلى متى يمكن الحفاظ عليها في بيئة لا تزال تنتج أسباب الصراع نفسه.

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية