فيينا - صالح أوقور - قالت الكاتبة الإسرائيلية فيرونيكا شيرمان، إن منكري الإبادة التي جرت في قطاع غزة، هم أسوأ من منكري الهولوكوست، مؤكدة أن الصمت على ما يحدث في القطاع يعادل دعمه.
وتعيش شيرمان (51 عاما) في أستراليا وتحمل الجنسية السويدية أيضا، وقد هاجرت إلى تل أبيب وهي في العاشرة من عمرها، حيث عاشت هناك حتى سن العشرين، وقضت سنوات شبابها بإسرائيل وخدمت في جيشها.
ونشأت شيرمان في عائلة يهودية، وتأثرت خلال شبابها بكل من السردية الصهيونية الإسرائيلية وما يُعرف بـ"الصهيونية المسيحية" (تقوم على الدعم المطلق لدولة إسرائيل وللاستيطان).
وخلال مقابلة مع "الأناضول"، تصف شيرمان نفسها في تلك المرحلة بأنها كانت "مغسولة الدماغ" و"صهيونية مزدوجة"، قبل أن تنفصل لاحقا عن هذه الأيديولوجيا، وتبدأ اليوم نشاطها المناهض للصهيونية من أستراليا.
وأوضحت أن نقطة التحول في حياتها بدأت بعد سنوات، حين تغيّرت نظرتها بالكامل تجاه ما يجري في فلسطين.
شيرمان قالت إنها أدركت لاحقا أن الطلاب الذين كانوا يُوصفون بـ"العرب الإسرائيليين" هم في الحقيقة فلسطينيون، مضيفة أنها درست عدة سنوات في مدرسة حكومية لكنها واجهت صعوبات بسبب عدم إتقانها اللغة العبرية، قبل أن تكمل تعليمها في مدرسة دولية.
وفي حديثها عن خدمتها العسكرية، أشارت إلى أنها لا ترغب في تبرير تلك المرحلة، قائلة: "كنت جزءا من ثقافة موت وآلة قتل".
وأوضحت أنها لم تتخذ قراراتها آنذاك بشكل عشوائي، بل فكرت فيها كثيرا، لكنها كانت تحت تأثير ما وصفته بـ"غسل الدماغ".
وقالت: "لم يقولوا ذلك صراحة، لكن في الواقع كانوا يختارونني للعمل لصالح الموساد".
وأشارت شيرمان إلى أنها كانت "صهيونية مزدوجة"، إذ نشأت في بيت يهودي، وهاجرت إلى إسرائيل بسبب أصولها اليهودية، ما جعلها تتأثر بكل من الصهيونية الإسرائيلية والصهيونية المسيحية.
وأضافت أن الصهيونية المسيحية قد تكون، في بعض الجوانب، أكثر خطورة من الصهيونية الإسرائيلية.
وأكدت شيرمان أن التخلص من هاتين الأيديولوجيتين كان "عملية معقدة"، لكنها منحتها رؤية تمكّنها اليوم من انتقادهما معا.
وأوضحت أن تحولها من الصهيونية إلى مناهضتها لم يحدث بشكل مفاجئ، مشيرة إلى أنها كانت تفكر بطريقة مختلفة تماما في السابق، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
وقالت: "عندما طُرحت القضية الفلسطينية، شعرت وكأنني تلقيت صفعة".
التحول الحقيقي في حياة شيرمان بدأ عام 2014، عندما شاهدت صورا من غزة خلال هجوم إسرائيلي، هكذا قالت.
وشنّت إسرائيل في يوليو/تموز 2014 حربا ضد قطاع غزة استمرت نحو 50 يوما، ما أسفر عن مقتل 2322 فلسطينيا، بينهم 578 طفلا و489 امرأة و102 مسن، وفق إحصائية رسمية صدرت عن وزارة الصحة الفلسطينية.
وتسببت الحرب، بإصابة نحو 11 ألفا، منهم 302 سيدة، ومنهن 100 سيدة تعاني من إعاقة دائمة، كما وأصيب 3303 من بين الجرحى بإعاقة دائمة، وفق الإحصائية ذاتها.
الكاتبة الإسرائيلية أوضحت أنها رأت صورة لطفل وسط الأنقاض، مضيفة: "كان جسد طفل بين الركام، بلا رأس، وربما بلا أطراف... بدا وكأنه مجرد قطعة من طفل".
وكشفت أن تلك اللحظة كانت نقطة تحول حاسمة، مضيفة: "في تلك اللحظة شعرت وكأن كل شيء توقف".
وأشارت شيرمان إلى أنها كانت تنظر سابقا إلى الفلسطينيين من خلال تقسيم "نحن وهم"، لكنها للمرة الأولى واجهت المأساة الإنسانية بشكل مباشر.
"كل شيء أصبح واضحا فجأة، وأدركت أنني تعرضت للتضليل، وكأنني استيقظت"، هكذا وصفت الكاتبة لحظة التحول.
ومنذ ذلك الحين كرّست شيرمان نفسها لفهم الصهيونية ولماذا تراها خاطئة، مؤكدة أنها تنشط ضدها منذ عام 2014.
حرق جواز السفر الإسرائيلي
وأوضحت أنها أحرقت جواز سفرها الإسرائيلي خلال احتجاج في العاصمة الأسترالية كانبيرا في يوليو/تموز 2025، حيث قامت بتمزيقه صفحة صفحة قبل إحراقه.
ووفق شيرمان، فإن القرار كان مؤلما، خاصة أنه قد يمنعها من العودة إلى القدس، قائلة إنها تشعر بارتباط خاص بالمدينة، لكنها في الوقت نفسه ترى نفسها "مستوطِنة مكثت هناك بغير وجه حق".
وأشارت إلى معاناة عائلات فلسطينية أُجبرت على مغادرة منازلها، مؤكدة أن ارتباطهم بالأرض حقيقي ومتجذر.
وقالت: "كان قد مرّ نحو عامين على الإبادة في غزة، فماذا كان يمكنني أن أفعل؟ كيف يمكنني الاستمرار في مشاهدة قتل العائلات؟".
الكاتبة، اعتبرت أن حرق الجواز كان وسيلة للتعبير عن رفضها لما يحدث، ليس فقط بصفتها إسرائيلية، بل كإنسانة.
وشنت إسرائيل في 8 أكتوبر 2023، حرب إبادة جماعية بدعم أمريكي ضد قطاع غزة لمدة سنتين، خلفت أكثر من 72 ألف قتيل فلسطيني وما يزيد على 172 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.
الصهيونية خطر على اليهود أيضًا
شيرمان رفضت الادعاء بأن إسرائيل هي المكان الأكثر أمانا لليهود، معتبرة أن سياساتها تعرّضهم للخطر.
وقالت إنها ترفع شعار "الصهيونية أخطر ما يهدد اليهود"، مؤكدة أن هذه الأيديولوجيا تمثل "ثقافة موت" لا تستهدف الفلسطينيين فقط، بل اليهود أيضا.
الكاتبة الإسرائيلية شددت على أن الصمت على الإبادة يعادل دعمها، مضيفة أن منكريها أسوأ من منكري الهولوكوست.
وأشارت إلى أن الصور القادمة من غزة اليوم متاحة بشكل مباشر، على عكس ما كان عليه الحال خلال الهولوكوست، ما يجعل تجاهلها أكثر خطورة.
ودعت شيرمان إلى فهم ما تعرض له الفلسطينيون منذ عام 1948، ولماذا يطالبون بالعودة إلى ديارهم.
واختتمت بالقول: "لو كنت ولدت في غزة، لفعلت الشيء نفسه، كنت سأقاوم من أجل عائلتي وشعبي وأرضي".