الكاتب : عبد العظيم عبد الحق حسن
في واحدة من أكثر الصور إيلاماً وكثافة من الناحية الإنسانية، وجد عشرات العمّال الفلسطينيين أنفسهم داخل حاوية نفايات في محاولة للوصول إلى العمل بعد أن أُغلقت في وجوههم الأبواب، وضاقت بهم سبل االرزق، وانعدمت أمامهم الخيارات الطبيعية التي يفترض أن تكون متاحة لكل إنسان يسعى إلى لقمة عيشه بكرامة. قد تبدو الصورة صادمة في ظاهرها، لكنها في جوهرها ليست إدانة لهؤلاء العمّال بل إدانةكاملة لواقع سياسي واقتصادي دفع الإنسان إلى أن يسلك أكثر الطرق قسوة ومهانة فقط ليحمي أسرته من الجوع والحاجة.
هؤلاء العمّال لم يذهبوا إلى هذا المصير لأنهم بلا كرامة، بل لأنهم يملكون من الكرامة ما جعلهم يرفضون الاستسلام للفقر، ويرفضون أن يمدّوا أيديهم لأحد. لقد اختاروا الطريق الأصعب لأنهم أرادوا أن تبقى بيوتهم صامدة، وأن يبقى أطفالهم قادرين على الحياة، وأن لا تتحول الأسرة الفلسطينية إلى ضحية إضافية من ضحايا الحصار والبطالة وانسداد الأفق.
من منظور فلسفي واجتماعي، الكرامة لا تقاس بالمكان الذي يجبر الإنسان على المرور منه، بل بالغاية الأخلاقية التي يسعى إليها. فالكرامة الحقيقية تتجلى حين يصرّ الإنسان على تحمّل القسوة من أجل من يحب، وحين يواجه الإذلال الظاهري ليمنع الإذلال الحقيقي عن أسرته. الإذلال الحقيقي ليس أن يركب العامل حاوية نفايات، بل أن يُترك عاجزاً عن تأمين دواء طفله، أو رغيف خبز بيته، أو رسوم دراسة أبنائه.
إن العامل الفلسطيني على امتداد العقود، كان دائماً أحد أهم أعمدة الصمود الوطني والاجتماعي. فهو لا يحمل أدوات العمل فقط، بل يحمل همّ البيت، وقلق المستقبل، وأعباء الوطن كله على كتفيه. وما جرى ليس حالة فردية معزوولة، بل هو انعكاس لبنية من القهر السياسي والاقتصادي؛ بنية تقوم على التحكم بحرية الحركة، وتضييق فرص العمل، وفرض واقع يجعل الوصول إلى الرزق مغامرة يومية محفوفة بالمخاطر.
إن الأزمة هنا ليست أزمة عمّال، بل أزمة منظومة كاملة دفعت الإنسان الفلسطيني إلى خيارات قاسية لا تليق بكرامته ولا بإنسانيته. فالسياسات التي تحاصر الناس في أرزاقهم، وتغلق أمامهم سبل العمل النظامية، وتتركهم بين فكّي البطالة والفقر، هي التي صنعت هذا المشهد المؤلم. لذلك يجب أن يُنظر إلى هذه الحادثة بوصفها صرخة اجتماعية وسياسية مدوية، لا مجرد خبر عابر.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يلفت في هذه الصورة ليس البؤس وحده، بل عظمة الإرادة الإنسانية الكامنة فيها. أربعون عاملا في حاوية نفايات، لكنهم في الحقيقة أربعون قصة شرف، وأربعون عنوانا لصمود الإنسان حين تضيق به الحياة. إنهم يذكّروننا بأن العامل الفلسطيني، رغم كل ما يحيط به من قهر، ما زال مؤمناً بأن العمل شرف، وأن تعب اليد أرفع من ذلّ الحاجة.
لهؤلاء العمّال كل التحية والاعتزاز. أنتم لستم ضحايا مشهدٍ مهين، بل شهودٌ على زمنٍ قاسٍ، ورمزٌ لطبقةٍ ما زالت تحمي المجتمع من الانهيار بصبرها وكدّها وصمتها. وسيبقى هذا المشهد، على قسوته، شاهداً على أن الإنسان الفلسطيني يمكن أن يُحاصر في الطرق، لكنه لا يُهزم في المعنى، ولا يفقد إيمانه بأن الكرامة تُصان بالعمل، مهما كان الطريق إليها موجعاً.
إنها ليست قصة عبورٍ في حاوية نفايات، بل قصة شعبٍ يُجبر كل يوم على اختراع طرقٍ قاسية للحياة، ومع ذلك يظل متمسكاً بكرامته، وبحقه الطبيعي في أن يعمل، ويعيش، ويحلم مثل سائر البشر.
* اسير محرر في الصفة الاخيرة