الكاتب : شادي عياد
في عام 1995 كتب المفكر والمناضل الفتحاوي الأخ خالد الحسن في كتابه «حتى لا تكون القيادة استبداداً» كلمات لم تكن مجرد تأملات فكرية، بل كانت إنذارًا مبكرًا وصرخة في وجه مستقبل كان يراه قادمًا بخطى ثقيلة.
فقد قال الرجل بوضوح قاسٍ:
إن شيوع الاستزلام في التنظيم هو شيوع للعبودية على مستوى القيادة وما دونها.
لم يكن هذا توصيفًا أدبيًا فقط بل تشخيصًا دقيقًا لمرض قاتل يمكن أن يصيب أي حركة تحرر إذا استبدلت الحرية التي قامت من أجلها بثقافة الطاعة العمياء، وإذا تحولت العلاقة داخل التنظيم من علاقة رفاقية نضالية إلى علاقة تابع ومتبوع وسيّد وخادم وآمر ومصفّق.
وهنا تبدأ المأساة.
فالتنظيم الذي بُني ليقود شعبًا نحو الحرية لا يمكن أن يقوده رجال يبحثون عن رضى الأشخاص بدل رضى الفكرة، ولا يمكن أن يصنع التاريخ أولئك الذين اعتادوا الانحناء في الممرات الضيقة طلبًا لموقع أو مكسب أو صورة.
الأحرار يصنعون التنظيمات،
أما العبيد — كما قال الأخ خالد الحسن — فلا يقودون الأحرار ولا ينجزون مهام الاحرار.
وهذا بالضبط ما كان يخشاه الرجل.
حين يصبح الاستزلام ثقافة، وتتحول الحركة من حركة تحرر إلى هرم من الركوع المتبادل، حيث يركع الصغير للكبير ويركع الكبير لمن فوقه حتى يصل الركوع إلى أبعد حد، عندها لا تعود الحركة حركة بل أصبحت مسرحًا طويلًا من الانحناءات.
المأساة أن هذا التحول لا يحدث فجأة، بل يتسلل ببطء شديد وعبر عشرات الصغائر التي يتسامح معها الناس في البداية:
مجاملة هنا،
وتبرير هناك،
وصمت عن خطأ،
وخوف من قول الحقيقة.
ثم يكتشف الجميع متأخرين أن الصغائر تراكمت حتى أصبحت نظامًا كاملًا يكافئ المصفقين ويقصي الاحرار،
ويطمئن لأصحاب الركوع.
وهكذا تُهزم التنظيمات من داخلها قبل أن يهزمها أعداؤها.
إن المشكلة ليست في الاحتلال وحده رغم وحشيته المستمرة، بل في تلك اللحظة التي يتوقف فيها بعض أبناء التنظيم عن الدفاع عن كرامة التنظيم نفسه.
وحين يصبح الموقع الوهمي والمؤقت أهم من الفكرة،
والقرب أهم من الكفاءة،
والصمت أهم من الشجاعة،
عندها يبدأ الانحدار الحقيقي.
إن أخطر ما في كلام الأخ المرحوم خالد الحسن ليس قسوته بل صدقه.
فهو لم يكتب عن أعداء الحركة، بل عن الخطر الذي يمكن أن يولد داخلها.
عن العبيد الذين يختارون العبودية طوعًا لا خوفًا،
وعن القيادات التي تُحاط بطبقات من المستزلمين حتى تفقد القدرة على رؤية الحقيقة.
وحين يصل التنظيم إلى تلك اللحظة، يصبح السؤال المؤلم مشروعًا:
كم من الفرص ضاعت؟
وكم من الكفاءات أُقصيت؟
وكم من الأحرار صمتوا أو أُبعدوا لأنهم رفضوا أن ينحنوا؟
لقد حذّر الأخ المرحوم خالد الحسن مبكرًا.
لكن التاريخ يعلمنا دائمًا أن أخطر التحذيرات هي تلك التي لا يسمعها أحد إلا بعد فوات الأوان.