إسطنبول- محمد الشيخ يوسف - رغم تهديد إيران باستهداف جميع القواعد الأميركية في دول الجوار رداً على العدوان الأميركي الإسرائيلي، وتنفيذها وعيدها بتنفيذ اعتداءات على دول الخليج منذ صباح السبت، إلا أن الرد الإيراني لم يشمل تركيا التي تستضيف قاعدة "إنجرليك" العسكرية، إحدى أكبر وأهم القواعد الأميركية الاستراتيجية في المنطقة وتضم أسلحة استراتيجية وفيها شبه استقلالية أميركية، إضافة إلى قاعدة رادارات كوراجيك، علماً أن القاعدتين تقعان في مدى الصواريخ الإيرانية التي وصلت إلى إسرائيل وحتى قبرص. ومن الواضح أن ثمة أسباب دفعت إيران لعدم الرد باستهداف قواعد في تركيا، وأهمها المواقف التركية الحيادية حيال القضية النووية، والسعي التركي لتجنيب المنطقة تبعات حروب جديدة، وإدراك أنقرة أن إسرائيل هي المحرض الأكبر لهذه الحرب.
وتعرضت سلطنة عمان التي لعبت دور الوسيط واستضافت المفاوضات للقصف الإيراني على الرغم من أن دورها كان موازياً وربما أكبر من دور تركيا، إلا أن طهران تجنبت حتى الآن استهداف قواعد أميركية في تركيا، وهو ما يعزوه خبراء إلى عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وبالتالي أي استهداف لأراضيها يعني اعتداء على دول الحلف، ما قد يوسع دائرة الحرب بشكل أكبر ويؤدي إلى دخول دول أخرى. وتضاف إلى ما سبق قوة تركيا العسكرية في المنطقة، وتوازن القوى الذي ربما وضعته إيران في الحسبان.
وأدى بث مباشر لوكالة أنكا الإخبارية المعارضة من محيط قاعدة إنجرليك إلى توقيف عدد من الصحافيين لمخالفتهم قانون المواقع العسكرية، حيث بثت الوكالة بشكل مباشر مشاهد من محيط القاعدة بعد توقعات باستهدافها عقب الرد الإيراني.
وقال الكاتب والصحافي المختص بشؤون إيران والشرق الأوسط بولنت شاهين أردير، لـ"العربي الجديد"، إن تركيا "تتبع سياسة ثابتة منذ سنوات، وبصفتها عضواً في حلف ناتو، تسعى للتوسط بين الكتلة الغربية والنظام الإيراني، متجنبة بذلك إقامة علاقات عدائية مع جارتها، ومؤدية دور عامل التوازن في مواجهة الغرب". وأضاف أردير: "حافظت تركيا على هذا الموقف في المفاوضات النووية أيضاً، وخلال الحرب الحالية، التزمت تركيا الحياد، ولم تشارك في العدوان الموجه ضد إيران، لكنها في الوقت نفسه لم تتوانَ عن توجيه تحذيرات للنظام الإيراني".
ولفت أيضاً إلى أن تركيا "لم تسمح باستخدام قواعدها ومجالها الجوي في هجمات ضد إيران، وكان رد طهران على الهجمات الصاروخية في إطار مفهومها الدفاعي هو ضرب الدول التي ساعدت وحرضت الولايات المتحدة على شن هجمات ضدها، وتركيا لا تندرج ضمن هذا النطاق". وأوضح أن "تركيا اكتسبت خبرة في التعامل مع موجات الهجرة بسبب اللاجئين السوريين، وإذا حدث تدفق مماثل من إيران، فستُنشأ ملاجئ مؤقتة في المنطقة الشرقية من تركيا، الوضع الاقتصادي المتردي لتركيا يجعلها غير قادرة على استيعاب موجة أخرى من المهاجرين بعد السوريين. لذلك ستتخذ حكومة أنقرة إجراءات لمنع المهاجرين من شرق الأناضول من الوصول إلى وسط الأناضول وإسطنبول".
وسعت تركيا منذ بدء الأزمة لتأسيس بنية حوار بين واشنطن وطهران، وجرى الحديث عن لقاء متفق عليه في إسطنبول قبل نحو شهر، قبل أن تنتقل المفاوضات إلى سلطنة عمان، ورغم ذلك، عملت تركيا عبر دبلوماسية نشطة لإنجاح الحوارات ومنع وقوع الحرب، وأبدت تفاؤلاً بحصول خرق في المفاوضات.
وقال الكاتب والصحافي المختص بالشؤون الدولية إسماعيل تشوكتان، لـ"العربي الجديد"، إن "تركيا خاضت صراعاً لمدة أكثر من عقد في سورية ضد إيران، إلا أنها سعت من أجل التهدئة بعد التحركات العسكرية الأميركية و تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعملت الدبلوماسية التركية على التوسط بين الطرفين للوصول الى تفاهم يمنع الحرب ودعت الأطراف إلى الجلوس إلى الطاولة في إسطنبول، إلا أن إيران أبت ذلك وأصرت على استبعاد تركيا من دورها الوسيط رغم أن أنقرة نجحت في هذا الدور في عدة أزمات دولية". وأضاف أن "تركيا لعبت دوراً حاسماً في الوصول إلى الاتفاق النووي الذي جرى توقيعه بين إيران ودول 5+1 في 2015، لكن إيران كانت دائماً في المعسكر المعاكس، ورغم كل ذلك، عملت تركيا بشكل كبير لمنع الهجوم على إيران".
وحول أسباب عدم استهداف إيران القواعد الأميركية في تركيا، قال تشوكتان إن "الأميركيين لم يرسلوا أي قوة عسكرية إلى القاعدة خلال الفترة الأخيرة التي شهدت حشداً عسكرياً كبيراً في المنطقة ضد إيران". وزاد؛ "ثانياً، وبعكس الدول الأخرى في المنطقة التي تستضيف القواعد الأميركية، فإن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وإذا أقدمت إيران على أي اعتداء على أراضيها، فسيُترجَم ذلك بأن إيران اعتدت على الحلف".
وأضاف: "ثالثاً، تركيا تملك جيشاً قوياً، وهي أيضاً دولة كبيرة بالنسبة لعدد سكانها ومساحة أراضيها، إضافة إلى أنها لم تظهر العداوة تجاه إيران بل حاولت الوصول إلى التهدئة". وتسعى تركيا وعبر أعلى المستويات الدبلوماسية إلى وقف إطلاق النار، حيث يجري الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان اتصالات دبلوماسية تسعى إلى وقف الحرب بأسرع وقت ممكن، إذ تخشى أنقرة من توسع رقعة الحرب أكثر، وهي التي أرهقتها الحروب في الدول المجاورة منذ أكثر من عقد.