تل ابيب-ترجمة-ثمة إجماع في إسرائيل على أن مرحلة ما بعد طوفان الأقصى ليست كما قبلها، وأن التغيير طال بصورة أساسية مفهوم الأمن الذي انتقل من استراتيجية "احتواء التهديد" إلى استراتيجية "المنع والحسم"، في كل ما يتعلّق في مواجهة التهديد القائم أو المتشكّل.
مقالات وأبحاث ودراسات كثيرة حول مفهوم الأمن القديم والجديد، نُشرت في إسرائيل ، بعد طوفان الأقصى، كما صدرت تصريحات عن وزراء وقادة عسكريين بهذا الشأن في مناسبات عدة، لكن لم يسبق أن قدّم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بصورة علنية ومعلنة وواضحة، رؤيته للركائز التي يقوم عليها مفهوم الأمن في إسرائيل بعد طوفان الأقصى، أو في أثناء ما يسميه حرب "السيوف الحديدية"، التي تغيّر اسمها ليصبح رسمياً "حرب النهضة"، والتي تشمل المعارك التي دارت في كل ساحات محور المقاومة بعد طوفان الأقصى.
ففي حفل تخريج الضباط القتاليين في قاعدة التدريب "باهَد 1" يوم الخميس، 19 شباط/ فبراير 2026، أعلن نتنياهو أن هناك عدة تغييرات مهمة في مفهوم الأمن لإسرائيل .
نتنياهو قال إن التغيير الأول في مفهوم الأمن الإسرائيلي في "حرب النهضة"، تمثل في تطوير مبدأ نقل المعركة إلى أرض العدو عشرات الأضعاف، وهو ما عبّر عنه بالقول "خرجنا بعيداً إلى ما وراء حدود الدولة، عميقاً في مناطق العدو، وعميقاً في عواصم العدو، تقريباً كلها.. عملنا في مدى غير مسبوق، في نطاق كبير جداً، لإبعاد تهديدات وجودية عنا".
ركائز أُخرى في مفهوم الأمن الجديد تحدث عنها نتنياهو، وهي عدم السماح لما أسماه "جيوش إرهابية" بالتمركز بعد اليوم على الحدود: "ممنوع وجود جهات جهادية بالقرب من إسرائيل"، وإقامة مناطق عازلة ومناطق منزوعة السلاح بعرض عدة كيلومترات على طول حدود الدولة، واعتبار ذلك حاجة ضرورية لتقليل "خطر التوغل البري".
وبناء على الركائز أعلاه، أعلن نتنياهو إصرار "إسرائيل" على الاحتفاظ بالمناطق العازلة، وأعلن أنه "في ضوء كل ذلك يبقى الجيش الإسرائيلي في مناطق العزل، سواء في لبنان أو في سوريا".
نتنياهو تحدّث أيضاً عن ركيزة أو مبدأ آخر، ألا وهو "لا مزيد من احتواء التهديدات"، والترجمة العملية لهذا المبدأ، وفقاً لرؤية نتنياهو، تتمثل في أنه "لا مزيد من معركة نار صغيرة بين الحروب، ولا مزيد من مفهوم فيلا في الغابة، التي تختبئ فيها من الحيوانات المفترسة التي وراء الجدار، بل على العكس، إذا لم تأتِ إلى الغابة، الغابة ستأتي إليك، ونحن نبادر ونسبق الخطر، ولذلك سنعمل بعمليات متكرّرة لتحييد المخاطر في الساحة حسب الحاجة".
نتنياهو عاد وأكّد أهمية التحالفات الدولية والإقليمية في مفهوم الأمن الجديد، معلناً أن "إسرائيل" تعمل على توثيق التحالفات، وأهم تلك التحالفات على الإطلاق، التحالف مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن "إسرائيل" تعمل "بتنسيق وثيق مع حليفتنا الكبرى، الولايات المتحدة".
لكن الجديد في مبدأ التحالف مع الولايات المتحدة، والمنبثق من مبدأ ضرورة اعتماد "إسرائيل" على قوة عظمى كعنصر رئيس من عناصر "الأمن القومي الإسرائيلي"، تمثل في إعلان نتنياهو عن "الدفع قدماً بسياسة الاستقلال في بناء القوة، وإليكم تغييراً آخر، تغييراً كبيراً في مفهوم أمننا، في العقد المقبل، سنخفض بالكامل الدعم المالي الأميركي في ميزانية أمننا، سننتقل من مساعدة إلى شراكة بين حلفاء، سنقلّل الاعتماد على عوامل خارجية، سنطوّر بأنفسنا قدرات تضمن التفوق النوعي لدينا في ساحة المعركة المستقبلية".
ويمكن القول إن مبدأ الاستقلالية في بناء القوة، هو من العبر الأساسية التي استخلصتها "إسرائيل" في حروبها الأخيرة، حتى لا تقع في عجز تسليحي من جهة، وكي لا تكون أسيرة شروط ومطالب الدول التي تزودها بالسلاح، من جهة أُخرى، وحفاظاً على استقلالية قرارها في كيفية إدارة الحروب وسياقها ونطاقها وأهدافها.
وزير "الأمن" يسرائيل كاتس، أشار خلال الحفل نفسه إلى أنه، مع نتنياهو ورئيس الأركان، غيّرا السياسة الأمنية لإسرائيل .
وقال كاتس: "السياسة اليوم تقوم على المبادرة، الحسم، إزالة التهديدات، وحماية الحدود والمستوطنات الإسرائيلية من داخل أراضي العدو أمام تهديدات التنظيمات الجهادية: في الجليل من خلال سلاسل الجبال في لبنان، في هضبة الجولان من قمة جبل الشيخ ومنطقة الأمن في سوريا، وفي مستوطنات النقب الغربي من خلال وجود دائم للجيش الإسرائيلي في منطقة أمن داخل غزة تستمر إلى الأبد، وفي الضفة الغربية من خلال وجود الجيش داخل مخيمات اللاجئين في شمال السامرة بدلاً من السكان وأوكار الإرهاب الفلسطيني التي كانت هناك"، على حد زعمه.
مفهوم الأمن الجديد الذي عرضه نتنياهو وكاتس، لا يترك مجالاً للشك بشأن نوايا إسرائيل التوسعية والعدوانية ليس تجاه دول الطوق فحسب، بل على امتداد العالمين العربي والإسلامي، حيث يوجد لإسرائيل ما تعده تهديداً، وهذا يعني أن المنطقة أمام محطة جديدة من محطات الصراع مع إسرائيل ، تُعطي فيها الأخيرة لنفسها الحق في الاعتداء على أي هدف بشري أو مادي بذريعة منع تشكل التهديد، وتعلن فيها تكريس احتلالها لمناطق في لبنان وغزة وسوريا، فضلاً عن الضفة الغربية، وتُقدّم هذا الإعلان كالتزام رسمي على الملأ، من أعلى مستويات القرار في دولة الاحتلال .
كل ذلك يحصل بدعم وتأييد أميركي عبّر عنه السفير الأميركي في إسرائيل مايك هكابي، بقوله، إنه لا بأس في استيلاء تل ابيب على منطقة الشرق الأوسط بأكمله، ما يُعطي صورة واضحة عن طبيعة التسويات التي تحاك للمنطقة، وعن إعادة رسم للخرائط فيها تصب خيوطها في مصلحة إسرائيل .