الكاتب: إبراهيم نصر الله
في تصريح للصحافة اللبنانية في تموز/يوليو 2001، قال محمود درويش: «صورة محمد الدُّرة خنقتني، فعالجتُ نفسي بالقصيدة». وكان الدُّرة ابن الثانية عشرة، قد أستُشهد في غزة في أيلول/سبتمبر 2000، بعد واحد من أكثر المشاهد رعبًا بينما كان ووالده يحتميان ببرميل إسمنتي.
في السابع من أيار/مايو عام 2001، كانت سوزان حجو والدة الشهيدة الطفلة، إيمان حجو، البالغة من العمر أربعة أشهر، تزور عائلتها في خان يونس، غزة، حين أطلق الجيش الصهيوني قذيفة دبابة استهدفت البيت الذي كانتا فيه فاخترقت شظية كبيرة جسد الطفلة وأمها، فاستشهدت إيمان، وأصيبت الأم.
صورة إيمان بعد استشهادها، سكنتني طويلا، كان وجهها جميلا جدًا رغم الموت، كما لو أنها تقاوم الموت بالجمال، فوجدتُ نفسي أكتب سيرة متخيلة لها مكونة من ثلاثين قصيدة، صدرت في عمل شعري من 180 صفحة، «مرايا الملائكة».
لكن المفاجأة أنني لم أعرف الشفاء بعد ذلك، وباتت تلك التجربة هي الأقسى في حياتي الكتابية، إذ بقيت غير قادر على قراءة كثير من قصائد الديوان في أيّ أمسية خوفاً من استعادة لحظات الكتابة الصعبة. أما المرض الذي أصابني فقد كان الرعب من الاقتراب من الشعر ثانية لمدة خمس سنوات. ببساطة، لقد بتُّ أخشى الشعر وكتابته؛ لأن تلك المعاناة التي عشتها في ذلك الديوان كانت أكبر من أن تُحتمل.
لا أعرف ما الذي تحسّ به الآن المخرجة التونسية الكبيرة كوثر بن هنية، وقد تقدّمت لتكتُب وتُخرج عملا عن واحدة من أكبر تراجيديات غزة وفلسطين، وأعني فيلم «صوت هند رجب». إذا التقينا ذات يوم ربما نتبادل حديثا حول هذا المشترك، وربما نبحث عن حديث آخر في محاولةٍ لأن ننجو، مع علمي تماما، أن لا شفاء في أمر يعتصر روحك وقلبك ووجودك إلى هذا الحدّ.
.. وما أقوله هنا عن كوثر، أقوله عن الذين ظهروا في الفيلم، ولا أقول من مثّلوا في الفيلم، فهذا فيلم لا تمثيل فيه، لأنه إقامة حقيقية في قلب الجحيم الذي حُشرت فيه هند، في تلك السيارة الصغيرة مع أقاربها الذين قُتلوا بدم صقيعيٍّ، يوم 29 كانون الثاني/يناير 2024، في وقت كانت فيه هند تعتقد أنهم نائمون، وموظفة مركز طوارئ الإسعاف تطلب منها، وهي تبكي، ألّا توقظهم.
هذا ليس فيلما متقنا فحسب، بل أكبر من ذلك بكثير، ومن الرائع أن هذه الحكاية الكبرى لم تقع بين يدي مُخرجة، أو مخرج، يقومان بتقزيمها برؤية مصطنعة أو حساسية قشرية، أو بفذلكات (الإنتاج الملوّث) تؤنسن القتلة، أو تجد لهم المنافذ الخلفية للإفلات من جرائمهم، كما رأينا ونرى في أفلام (بارزة) تتناول قضية فلسطين.
قيمة فيلم «صوت هند رجب» تتضاعف أيضا حين نقارنه بعدد من الأفلام الأجنبية التي تناولت حالة شبيهة، مثل الفيلم الدنماركي الرائع The Guilty الذي أعادت هوليوود إنتاجه بجودة أقل، وعاطفة أبرد. كما أن «صوت هند» لا يقل أهمية عن فيلمين ينافسان على أوسكار 2026، استمتعت جدا بمشاهدتهما: «قيمة عاطفية»، و»العميل السّري».
في فيلم كوثر بن هنية، صوت هند رجب هو صورتها، حتى عندما كانت تصمت، كان لصمتها صوت لا يقل وضوحا عن صوتها المرتجف، ونحن نتابع ما يدور معها حابسين أنفاسنا.
حين كانت العاملة في مركز إدارة الإسعاف تطلب منها أن تهدأ وتتنفس بعمق وتكتم نفَسَها، شخصيّا، كنت أفعل ذلك وأستجيب لطلبها، لأنني كنت بحاجة حقيقية لأن أفعل هذا، فقد كان الفيلم مساحة حقيقية، حاضرة ومُسيطرة، وليست مجرد أحداث مسترجعة من الماضي القريب. كان المرء يموت معها، ويحيا معها، ويأمل ويخاف معها، ويتوّسل الخلاص معها، مع أننا جميعا نعرف ما الذي سيحدث لهند رجب بعد ذلك، لأننا أصبحنا في الزمن الحقيقي لتراجيديا حياتها ومصيرها، وقد أبدعت المخرجة في أنها لم تخرج بالكاميرا بعيدا إلى مركز الحدث، لا لتصوير السيارة التي حُشرت فيها هند وجسدها الصغير، وروحها، وطفولتها المحاصرة بدبابة تتقدم نحوها مطلقة النار، ولا بفاجعة استشهاد رجال الإسعاف في محاولتهم لإنقاذها. لقد صوّرت المخرجة الأثر، وهو أثر مُدمِّر، لتلك الصغيرة التي عرّفت عن مستواها التعليميّ بأنها في صفّ «الفراشة».
صحيفة واشنطن بوست التي لجأت إلى صور الأقمار الصناعية لتحدّد مكان السيارة التي تحتمي بما تبقى من هيكلها هند الصغيرة، أثبتت وجود 4 عربات عسكرية صهيونية على بعد أقل من 300 متر من موقع الطفلة. ورغم معرفتهم بمكانها، عبر (التنسيق) المتواصل (لإنقاذها) لحظة بلحظة، فإن جريمة قتل هند نُفِّذت بتدمير السيارة بالكامل، بقذيفة دبابة، لسحق هذا الصوت.
كل شيء في الفيلم صوِّر بحساسية استثنائية، وكانت اللحظة التي ظهرت فيها صور هند الفوتوغرافية على الشاشة، في الفيلم، هي اللحظة التراجيدية الأمثل، فقد كان على قلب المشاهد التي استمع إلى صوتها أن يراه في تلك اللحظة.
في هذا الفيلم تجلس الحقيقة عارية، ويجلس المتفرجون عراة والممثلون عراة، من فكرة المشاهدة ومن فكرة التمثيل، وهم يتحوّلون إلى مشاركين حقيقيين يبكون، لا يدّعون بكاءً ولا حزنا، فهند كانت في القاعة التي يجلس فيه المشاهدون، ويتحرك فيها العاملون في مركز طوارئ الإسعاف، وحين سقطت الفنانة (سجى الكيلاني) مغمى عليها، لم يكن هناك أي شك في أنه أغمي عليها حقًّا.
لقد كتبتْ هند حكايتها كما لا يمكن لأحد أن يكتبها، ومضت تاركة مساحة في الذاكرة الفلسطينية والإنسانية لا تُمحى، وكانت الناطقة الأكثر بلاغة باسم عذاب غزة، وأطفال غزة، والإبادة التي عصفت بالقطاع طوال عامين ولم تزل.
وبعد:
هذا المقال بمثابة تحية إلى الرائعة كوثر بن هنية، وكل من ساهموا في تقديم هذه الشهادة الفنية الراقية، وكلنا أمل بأن يتوَّج عملهم هذا بالأوسكار في الخامس عشر من الشهر المقبل.