آراء

أن نبقى....

15 مشاهدة
أن نبقى....

الكاتب : رامي مهداوي 

ليس ثمة ما هو أكثر قسوة على شعب من أن يتحول مستقبله إلى سؤال مؤجل. ولعل المأساة الفلسطينية، في أحد وجوهها الأكثر عمقاً، تكمن في أن الفلسطيني عاش عقوداً بين وعد لا يتحقق وواقع لا يستقر؛ كلما لاحت بارقة للخروج من الدوّامة، جاءت تطورات معاكسة أعادته إلى النقطة ذاتها. وهكذا لم يعد السؤال فقط: متى تقوم الدولة؟ بل أصبح، بصورة أكثر إلحاحاً وواقعية: هل نستطيع أن نبقى حتى تقوم؟

كان مسار أوسلو، في لحظته التاريخية، يقوم على افتراض أن الزمن سيقود إلى الدولة خلال سنوات قليلة. لكن الزمن لم يكن محايداً، وتحولت المرحلة الانتقالية إلى واقع مفتوح، فيما واصلت إسرائيل إعادة تشكيل الأرض والوقائع والجغرافيا. ومع انسداد الأفق السياسي، اضطر الفلسطيني إلى إعادة ترتيب أولوياته، لا التخلي عن حلم الدولة، وإنما إدراك أن الدولة التي لا تستند إلى مجتمع قادر على البقاء تصبح مجرد فكرة مؤجلة.

لهذا أصبح البقاء اليوم أكثر من موقف دفاعي؛ إنه شرط سياسي لوجود فلسطين نفسها. فالذي يفقد أرضه لا يستطيع أن يقيم دولة عليها، والذي يغادر وطنه لا يستطيع أن يمارس سيادته عليه من بعيد. ومن هنا فإن كل بيت يبقى، وكل عائلة تتمسك بمكانها، وكل شاب يختار بناء مستقبله هنا، وكل مدرسة وجامعة ومصنع ومزرعة ومؤسسة تستمر في أداء دورها، هي في مجموعها فعل سياسي طويل النفس.

لقد اعتدنا أن نرى المقاومة في صورها الأكثر صخباً، وأن نقيسها بحجم المواجهة المباشرة، بينما ثمة مقاومة أخرى أكثر هدوءاً وأبعد أثراً : أن تجعل الحياة في الوطن ممكنة، وأن تمنع تحويل الاحتلال إلى قوة قادرة على جعل المكان طارداً لأهله. أن تبقى وتتعلم وتعمل وتنتج وتبني أسرة، ليس انسحاباً من الصراع، بل استمرار فيه بأدوات الحياة نفسها.

لكن الصمود لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للمعاناة. ليس المطلوب أن يتعلم الفلسطيني كيف يتحمل الفقر والبطالة والدمار إلى ما لا نهاية، فذلك استنزاف لا استراتيجية. الصمود الحقيقي هو أن نحول القدرة على الاحتمال إلى قدرة على البناء؛ أن نحول التعليم إلى مهارة، والشباب إلى طاقة إنتاج، والاقتصاد إلى فرصة، والمؤسسات إلى حماية، والأرض إلى حياة.

وهنا تبدأ مسؤولية الجميع. على منظمة التحرير الفلسطينية وجميع الأطياف الفلسطينية أن تجعل البقاء ممكناً وكريماً، لا أن تطلب من الناس الصمود بالخطابات. وتعليم جيد، وصحة، وخدمات عامة محترمة، وحماية اجتماعية، واقتصاد قادر على الحركة، ومؤسسات فعالة وعادلة؛ هذه ليست قضايا يمكن تأجيلها إلى ما بعد قيام الدولة، بل جزء من المعركة على الدولة نفسها. فحين تصبح الحياة مستحيلة، يصبح الرحيل أكثر إغراءً.

وعلى القطاع الخاص أن يدرك أن الاستثمار في فلسطين ليس قراراً اقتصادياً فقط. كل مصنع يستمر، وكل مشروع ينمو، وكل فرصة عمل تُخلق، هي مساهمة في إبقاء الإنسان داخل دورة الحياة الفلسطينية. والاقتصاد، في حالتنا، ليس منفصلاً عن السياسة؛ إنه إحدى أدواتها الأكثر هدوءاً وفاعلية.

وللإعلام والمثقفين مسؤولية لا تقل أهمية. لا نحتاج إلى خطاب يبيع وهماً عن نصر قريب، كما لا نحتاج إلى خطاب سوداوي يقنع الناس بأن كل شيء انتهى. الأول يخدر الوعي، والثاني يقتل الإرادة. ما نحتاجه خطاب واقعي يقول الحقيقة كاملة، لكنه لا يسلب الإنسان قدرته على الفعل.

وحتى المواطن العادي يستطيع أن يكون جزءاً من هذه الاستراتيجية.أن يعمل بإتقان، ويحترم القانون، ويرفض الفساد والمحسوبية، ويحافظ على الأرض والممتلكات العامة، ويدعم الإنتاج المحلي، ويساعد شاباً على اكتساب مهارة، ويفتح فرصة عمل، ويعلّم أبناءه، ويختار أن يبني مستقبله هنا. قد تبدو هذه الأفعال صغيرة أمام ضخامة القضية، لكنها حين تتكرر ملايين المرات تصبح مشروعاً وطنياً.

وفي داخل الأسرة تبدأ معركة أخرى: أن نربي أبناءنا على حب فلسطين من خلال إمكانية الحياة فيها، لا من خلال تحويل الوطن إلى صورة حزينة في الذاكرة. نريد جيلاً يرى فلسطين مكاناً يستطيع أن يعيش فيه ويعمل وينجح ويؤسس عائلته، لا مجرد قضية يحملها في حقيبة السفر.

لهذا فإن الواقعية الفلسطينية الجديدة ليست التخلي عن الدولة، وإنما حماية شروط قيامها. الدولة هدف استراتيجي، لكن الإنسان شرطها؛ والسيادة غاية، لكن الأرض شرطها؛ والاستقلال مشروع، لكن البقاء هو نقطة البداية.

قد لا نستطيع أن نحدد اليوم موعد الدولة، ولا أن نتحكم في كل ما يجري حولنا. لكننا نستطيع أن نقرر كيف ندير ما نملكه: الإنسان، والأرض، والتعليم، والعمل، والاقتصاد، والمؤسسات، والثقافة، والذاكرة.

وفي صراع طويل كهذا، قد يكون أعظم ما نستطيع فعله جميعاً ألا نسمح لليأس بأن يتحول إلى هجرة، ولا للعجز السياسي أن يتحول إلى فراغ بشري، ولا للضغط الاقتصادي والاجتماعي أن يجعل الوطن يبدو أقل قابلية للحياة من أي مكان آخر.

أن نبقى ليس موقفاً سلبياً من التاريخ. أن نبقى ونبني وننتج ونتعلم ونحمي المكان هو في حد ذاته فعل سياسي كامل. الدولة قد تتأخر، وقد تتبدل الظروف، وقد تطول الطريق....

أما الوطن فلا يحتمل التأجيل.