الكاتب : كميل أبو حنيش
تمرُّ التجارب التحررية بمتعرجاتٍ ومنحنيات، وهبوطٍ وصعود، وانتصاراتٍ وانتكاسات، قبل أن تتوَّج رحلتها الكفاحية بالانتصار التاريخي على عدوها المستعمر. وتختزن الشعوب تجارب ثرية في هذا المضمار؛ إذ لا تبدأ الحركة التحررية بوصفاتٍ كتالوجية لإطلاق هبّاتها وثوراتها، وإنما تتعلم من واقعها الخاص، ومن ظروفها الملموسة، كيف تشتق أشكال كفاحها وأدواتها النضالية في كل مرحلة من مراحل التحرر الوطني.
ولعل أجمل ما في الشعوب أنها لا تُصاب باليأس في كفاحها ضد المستعمر المحتل؛ لأن اليأس يعني الموت والاندثار. فقد تُصاب أجيالٌ أو حركاتٌ أو أفرادٌ باليأس والعجز، ولكن الشعوب دائمًا تختزن طاقةً لا يمكن أن تنضب، وتتعلم من مخزونها الحضاري والثقافي كيف تصمد وتكمن، وكيف تواصل رحلة الصمود والبقاء، وكيف تستلُّ سيف المقاومة في لحظته المناسبة.
ولدى الشعب الفلسطيني تجربةٌ كفاحية طويلة تناهز القرن، وهو يواجه استعمارًا لم يسبق له التاريخ مثيلًا؛ فعلاوةً على أنه استعمار ينتمي إلى سلسلة التجارب الاستعمارية الكلاسيكية الاستيطانية التوسعية والإحلالية، فإنه أيضًا استعمار يتسلح بأيديولوجيا دينية أسطورية، يزعم من خلالها أحقيته بهذه البلاد بموجب وعودٍ إلهية وأوهام الدولة اليهودية على هذه الأرض، وادعاء "الشعب المختار".
لقد فجّر الشعب الفلسطيني عشرات الثورات والانتفاضات والهَبّات في رحلة كفاحه التحرري ضد المستعمر الصهيوني. وبالرغم من الانتكاسات المريرة، فإن أكبر انتصار استطاع الفلسطيني أن يسجله على عدوه تمثّل في قدرته على البقاء، مواجِهًا الإبادة والتهجير والاقتلاع والطمس. ولعل أعظم سلاح يمتلكه يتمثل فيما أسماه العدو "القنبلة الديموغرافية"، أي حضور الشعب الفلسطيني على أرضه، وبزيادة سكانية سبقت أعداد المستعمرين الغرباء، ما حذا بالمستعمر إلى البحث عن "حلول إبداعية" لمواجهة هذا السلاح.
وأهم هذه الحلول سلاح التهجير، عبر استمرار سياسة البطش والقمع والتجويع والإفقار والقتل ومصادرة الأرض وهدم البيوت والإبادة والاستيطان، وصولًا إلى التهجير القسري.
وفي هذه المرحلة العاتية، يجاهر قادة الإرهاب الصهيوني بتهجير الفلسطينيين من أرضهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولن يجد الفلسطيني غير المواجهة لحماية وجوده ومصيره ومستقبل أجياله على هذه الأرض. وهذه المواجهة يجب أن تشمل الفلسطينيين في كافة أماكن وجودهم.
لقد وصل المشروع الصهيوني إلى ذروة توحشه وانحطاطه وتعفنه، وهذه علامات التفكك والاندثار.
فما ارتكبه من مذابح على أرض قطاع غزة، واستمرار عمليات التجويع والتدمير والحصار والقتل اليومي، وما يرتكبه على أرض الضفة الغربية من حصارٍ وإفقار ومصادرةٍ للأرض وهدمٍ للبيوت وتهجيرٍ للتجمعات السكنية واعتقالاتٍ عشوائية، وعربدة المستوطنين، كل ذلك ينذر بانفجارٍ وشيك. ولهذا، يمعن المحتل في سياساته الدموية لمحاصرة وإجهاض أي فعل ثوري قبل أن يولد.
ومن ناحيةٍ ثانية، يستعد الصهاينة للشروع في عملية تهجير القرى والتجمعات، وقد بدأت بالفعل من خلال مجموعة من الإجراءات "القانونية" والإدارية لمصادرة الأرض، وإغراق الضفة بالبؤر الاستيطانية، وتهجير التجمعات إلى القرى، ومن ثم ستبدأ عمليات تهجير القرى إلى المدن، لخلق وقائع اجتماعية واقتصادية تحت مسميات "الهجرة الطوعية"، وصولًا إلى التطهير العرقي الشامل للأراضي الفلسطينية، كما يخطط العدو.
فنحن لا نتحدث عن سيناريوهات محتملة، وإنما نتحدث عن سياسة معلنة، وبدأ العمل على تنفيذها منذ سنوات، على الأقل.
وفي هذه المرحلة القاسية على شعبنا، نحن بحاجة إلى استنهاض كافة الطاقات الشعبية والسياسية والإعلامية لمواجهة مخططات الاقتلاع والإبادة والتشريد.
إن أفضل تعبير للرد على هذه المخططات الإرهابية يتمثل في إطلاق انتفاضة شعبية على غرار الانتفاضة الأولى، ومميزات هذه الانتفاضة أنها:
-تتيح لكافة فئات وشرائح وطبقات الشعب الفلسطيني الانخراط فيها لتأدية الواجب النضالي الوطني في الدفاع عن الوجود.
-ليست مكلفة من ناحية دفع التضحيات الجسيمة.
-حركة مرنة ومتطورة، وتحظى بعوامل السيرورة التي من شأنها أن تستولد أشكالًا مختلفة من أشكال الكفاح الشعبي.
-تستقطب تأييد ومساندة شعوب العالم وحركاته، وستحظى بتأييد جارف من مختلف حكومات العالم.
-تغيّر طبيعة عمل آلة الحرب الصهيونية، التي ستجد صعوبة بالغة في استخدام وسائلها الحربية الكبيرة، وسيجد جيش الاحتلال نفسه محدود القدرة على الحركة أمام انتفاضة شعبية منتشرة في كافة أرجاء الضفة الغربية.
إن انتفاضةً على هذه الشاكلة لا يمكن التخطيط لها أو قيادتها أو تحريكها عن بُعد، وإنما يجب أن يُترك أمرها للميدان وقيادته. ولدى الشعب الفلسطيني تجربةٌ ثرية في الانتفاضة الأولى، وبالإمكان الاستفادة من دروسها وعِبَرها.
ومن الجيد القول إنه لا يمكن استنساخ تجربة حدثت في الماضي وإسقاطها على الحاضر؛ فالواقع المتغير لا يسمح بالاستنساخ، وإنما يمكننا تمثّل الماضي والاستفادة منه في آليات المواجهة في الواقع الراهن.
في الواقع، يمثل الانقسام السياسي، إلى جانب ممارسات السلطة السلبية وعجزها، معيقاتٍ موضوعية أمام انطلاق مثل هذه الانتفاضة. ولكن الواقع الميداني يفرض على الشعب الفلسطيني أن يستولد انتفاضةً من دون انتظار توفر شروطها الكاملة؛ فعندما يتضرر الجميع من ممارسات الاحتلال، تصبح مواجهته ضرورةً وليست خيارًا.
وها قد بدأت إرهاصات الانتفاضة بالظهور من خلال تشكيل اللجان الشعبية، ولجان الحراسة، ومواجهة إرهاب المستوطنين، وما علينا إلا تنظيم هذه الحركة الصاعدة، وتوجيهها وإسنادها.
وعلينا نحن، كفلسطينيين في كل مكان، أن نستعد لمواجهة أخطر مرحلة نعيشها، والوقوف أمام مسؤولياتنا الوطنية والتاريخية.
انتفاضةٌ شعبية على غرار الانتفاضة الأولى

