آراء

آلاف الخريجين يقعون ضحايا اختيار دراسة التخصصات المغلقة في فلسطين

77 مشاهدة
آلاف الخريجين يقعون ضحايا اختيار دراسة التخصصات المغلقة في فلسطين

الكاتب : منتصر حمدان

"لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لما درست هذا التخصص في الجامعة، ويا ليتني عثرت على احد يرشدني في اختيار تخصصي الجامعي". مثل هذا الحديث بات رائجاً في أوساط خريجي الجامعات الفلسطينية، الذين يجد كثير منهم أنفسهم بعد سنوات من الدراسة أمام سوق عمل محدود القدرة على استيعاب أعداد الخريجين المتزايدة، ما يضاعف من أزمتهم ويسهم في ارتفاع معدلات البطالة في فلسطين.

وتشير بيانات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني إلى تخرج قرابة 40 ألف خريج وخريجة سنوياً من مؤسسات التعليم العالي، في تخصصات متنوعة ومتعددة. وفي المقابل، يجد عدد كبير من هؤلاء الخريجين أنفسهم أمام تحديات حقيقية في الانتقال من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل، الأمر الذي يطرح أسئلة جدية حول مدى مواءمة التخصصات الجامعية مع احتياجات السوق وقدرته الاستيعابية.

وتؤشر مواقف وآراء الكثير من الخريجين إزاء تجربتهم في الدراسة الجامعية والحصول على الشهادة الأولى، بوضوح، إلى سلسلة من التحديات الحقيقية التي باتت ماثلة أمام مؤسسات التعليم العالي في فلسطين، والتي تقع على عاتقها مسؤولية الإشراف والمتابعة وتنظيم هذا القطاع، وفق استراتيجيات وطنية قادرة على تضييق الفجوة بين التخصصات الجامعية واحتياجات سوق العمل وقدرته على استيعاب الخريجين الجدد.

وتؤكد المؤشرات والإحصاءات الفلسطينية الرسمية والأهلية وجود فجوة حقيقية بين اختيار التخصص الجامعي والواقع الذي ينتظر الخريج في سوق العمل. وهذا الواقع يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات الشباب المقبلين على اختيار تخصصاتهم الجامعية، ويبرز في الوقت ذاته الحاجة إلى تطوير برامج متخصصة للإرشاد والتوجيه المهني والأكاديمي للطلبة الراغبين في الالتحاق بالتعليم الجامعي.

ومن المهم أن تستند عملية اختيار التخصص إلى تخطيط واعٍ للمستقبل، قائم على معرفة علمية باحتياجات ومتطلبات سوق العمل في فلسطين، مع الأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي والأمني والاقتصادي الذي تعيشه البلاد حالياً، والظروف التي قد تستمر تداعياتها لسنوات مقبلة.

ولا يمكن، في هذا الإطار، حصر المسؤولية عن هذا التشوه في جهة واحدة أو تحميل طرف دون غيره كامل المسؤولية. فمواجهة هذه التحديات تتطلب فتح ورشة عمل وطنية واسعة، يشارك فيها ممثلون عن لجان أولياء أمور الطلبة في المدارس، والطلبة، والمؤسسات التعليمية، ومؤسسات التعليم العالي، والحكومة الفلسطينية، ومؤسسات القطاع الاقتصادي، ومؤسسات المجتمع المدني.

ويفترض أن يأتي ذلك في إطار حوار وطني جاد لمناقشة طبيعة التحديات والمخاطر المحدقة بمستقبل الأجيال القادمة، وتحديد السياسات والاستراتيجيات الوطنية الكفيلة بمعالجة الواقع الصعب الذي يواجهه الطلبة والخريجون، لا سيما في ظل الدعوات والأصوات التي بدأت تدق ناقوس الخطر وتطالب باتخاذ إجراءات واضحة لمعالجة آثار هذه الأزمة، ووضع سياسات وطنية تساعد الطلبة وذويهم على التعامل مع تداعياتها والتغلب عليها.

وشكلت دعوات نقابة المحامين الفلسطينيين المتكررة لطلبة الثانوية العامة، والتي دعتهم إلى التروي والابتعاد عن اختيار تخصص المحاماة والحقوق في فلسطين، بداية جدية لتحريك المياه الراكدة. وقد بررت النقابة هذه الدعوات بوصول سوق العمل في قطاع المحاماة والحقوق إلى معدلات الإشباع.

وتشير الأرقام والإحصاءات الفلسطينية إلى أن تخصص القانون وحقوق الإنسان التحق به قرابة 8800 طالب وطالبة، يتخرج منهم نحو 1000 طالب وطالبة سنوياً، في حين أن قدرة السوق الاستيعابية لا تتجاوز 530 فرصة عمل. وفي المقابل، أصبحت تخصصات الطب والصيدلة وطب الأسنان، وفق المعطيات المشار إليها، تخصصات مغلقة بسبب عدم قدرة سوق العمل على استيعاب أعداد الخريجين.

وينطبق الأمر ذاته على تخصصات الصحافة والإعلام، التي كان يلتحق بها قرابة 6600 طالب وطالبة، ويتخرج منها نحو 1200 سنوياً، بينما لا يستوعب سوق العمل سوى نحو 225 خريجاً وخريجة. كما تواجه تخصصات الأعمال التجارية والإدارية إشكاليات حقيقية، إذ تظهر الأرقام التحاق نحو 59 ألف طالب وطالبة بهذه التخصصات عام 2022، يتخرج منهم نحو 10,800، في حين لا يستوعب سوق العمل سوى نحو 2300 فرصة عمل.

إن مثل هذه المؤشرات الإحصائية، ومقارنة مخرجات التعليم العالي بإمكانية الحصول على فرصة عمل، تؤكد أهمية مسؤولية الطالب وذويه في اختيار التخصص بطريقة واعية ومدروسة. ومن الضروري أن يأخذ الطالب بعين الاعتبار التحولات التي يشهدها سوق العمل واحتياجاته، إلى جانب ميوله وقدراته الشخصية، وأن يستفيد من خدمات الإرشاد المهني والتعليمي، ويستأنس برأي المختصين عند اتخاذ قرار اختيار التخصص الجامعي.

وفي المقابل، لا بد أن تكون مسؤولية المدارس ووزارة التربية والتعليم حاضرة بقوة، من خلال رصد قدرات الطلبة منذ مراحل التعليم المدرسي، واكتشاف ميولهم واهتماماتهم التعليمية، وتوجيههم أكاديمياً ومهنياً نحو التخصصات والمهن التي تتناسب مع قدراتهم واحتياجات المجتمع. وينبغي أن يستند هذا التوجيه إلى رؤية واعية ودراسات بحثية وعلمية ترصد واقع الأسواق واحتياجاتها المستقبلية.

وبينما تضيق الخيارات أمام الخريجين الفلسطينيين الذين وقعوا ضحية اختيار تخصصات مغلقة أو محدودة الفرص، فإن التحولات العالمية المتسارعة في مجالات التكنولوجيا والاتصال والتواصل تفتح آفاقاً جديدة أمام الطلبة الراغبين في الالتحاق بالتعليم الجامعي.

وتتمثل إحدى الفرص المهمة في الاستفادة من تجارب الخريجين السابقين عند اختيار التخصصات، والتخطيط المسبق للمسار الأكاديمي والمهني، والتوجه نحو تخصصات حديثة وواعدة مثل علم البيانات، والبرمجيات، والتسويق الرقمي، والهندسة البيئية، والصحة النفسية والذهنية، وإدارة المشاريع والأعمال.

كما تبرز أهمية تشجيع الطلبة وحثهم وتوجيههم نحو اكتساب مهارات جديدة في مجالات التصميم والطباعة واللغات والتعليم التقني والمهني، والاستفادة من البرامج التعليمية والتدريبية المتخصصة التي تساعد الطالب على فهم مؤشرات سوق العمل وتحليلها بطريقة علمية.

إن تمكين الطلبة من اتخاذ قرارات واعية بشأن مستقبلهم الأكاديمي والمهني من شأنه أن يعزز فرصهم في الحصول على وظائف ملائمة لتخصصاتهم وقدراتهم، وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم المهنية، وربط مساراتهم التعليمية والمهنية باحتياجات مجتمعهم المتجددة والمتنوعة.