آراء

"زلزال فقدان احتكار الخوف"

17 مشاهدة
"زلزال فقدان احتكار الخوف"

  الكاتب : أسامة ناصر / شيكاغو

إن ما يجري داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي يتجاوز نتائج متفرقة في متشيغان ومينيسوتا وكاليفورنيا ونيويورك وفلوريدا وهاواي. هناك شيء أعمق يتحرك داخل الحزب: انه التحرر التدريجي من الخوف السياسي الذي أحاط لعقود بموقف المرشح من إسرائيل ومنظمة إيباك.
اعتاد المرشح الديمقراطي على القاعدة التاريخية : لا تقترب كثيراً من انتقاد إسرائيل ولا تدخل في مواجهة مع إيباك لأن الثمن الانتخابي قد يكون قاسيا وصعبا.ولم يكن المال وحده مصدر القوة بل كان الخوف من المال هو القوة الحقيقية.
المتغيِّر الآن هو أن هذا الخوف بدأ يتراجع وينحسر .
ففي ولاية متشيغان انتصر عبدول السيد رغم إنفاق عشرات الملايين من الدولارات ضده. وفي كاليفورنيا فازت عائشة وهاب رغم حملة مالية كبيرة استهدفتها. وفي نيويورك تحول زهران ممداني من مرشح تقدمي إلى قوة سياسية قادرة على دفع النقاش الديمقراطي إلى مساحة جديدة. وفي مينيسوتا ظهرت نتيجة أخرى تؤكد اتساع المجال أمام التيار التقدمي.
أما فلوريدا وهاواي فقدمتا صورة أكثر إثارة؛ فلم يفز كل المرشحين المعارضين للخط التقليدي لكن القضية نفسها أصبحت جزءا من الصراع السياسي داخل الحزب وفي ولايات لم تكن سابقا ميدانا مركزيا لهذا النقاش.
وهنا تكمن أهمية ما يحدث.
ان الإيباك لم تعد وحدها التي تحدد أين يبدأ النقاش وأين ينتهي.
فالمرشح الذي كان يخشى أن يخسر إذا انتقد إسرائيل أصبح يرى أمامه نماذج لمرشحين انتقدوا السياسات الإسرائيلية واستطاعوا الفوز. والناخب الذي كان يسمع أن مواجهة إيباك تعني بالضرورة خسارة انتخابية أصبح يرى أن المال السياسي ليس أقوى من التنظيم الشعبي والحركة الشبابية والتحولات داخل القاعدة الديمقراطية.
وهنا يمكن القول ان  التغيير الحقيقي اصبح واضحا وجليا .
الايباك  لم تفقد قوتها وما زالت تمتلك المال والعلاقات والنفوذ. لكن ما يتعرض للكسر هو هالة القوة التي تجعل السياسي يخشى المواجهة قبل أن تبدأ المعركة.
فالنفوذ يصبح أكثر قوة عندما يقتنع الآخرون بأنهم عاجزون عن مقاومته. وعندما يكتشف المرشح أنه يستطيع أن يقول «لا» ولا يزال قادرا على الفوز تبدأ مساحة الخوف في التضييق ومعها تبدأ مساحة النفوذ في الانحسار.
نعم القضية الفلسطينية استفادت من هذا التحول لكنها في الوقت نفسه أصبحت جزءا من تحول أوسع داخل المجتمع الأمريكي. فالأجيال الجديدة وقطاعات واسعة من التيار التقدمي والعرب والمسلمين الأمريكيين لم تعد تنظر إلى العلاقة مع إسرائيل بالطريقة التي كانت سائدة قبل عقود. وقد سرعت حرب غزة هذا التحول وجعلت الدعم الأمريكي لإسرائيل قضية سياسية وأخلاقية وانتخابية داخل الحزب الديمقراطي.
والمعركة هنا ليست مع اليهود الأمريكيين ولا مع اليهودية كدين وليست دعوة إلى استبدال نفوذ إيباك بنفوذ فلسطيني مقابل . القضية أعمق من ذلك: هل يستطيع السياسي الأمريكي أن يختلف مع حكومة إسرائيل من دون أن يخشى العقاب السياسي؟ وهل تستطيع السياسة الخارجية الأمريكية أن تخضع للنقاش الديمقراطي والمصلحة الأمريكية والقانون الدولي وحقوق الإنسان مثل أي ملف آخر؟
هذه الأسئلة بدأت تخرج من الهامش إلى قلب النقاش الديمقراطي.
ولهذا فإن الإيباك تواجه معضلة كبرى  أكثر أهمية من خسارة بعض الانتخابات: انه فقدان احتكار الخوف.
وهذه هي النقطة المفصلية.
لقد كسرت متشيغان حاجزا محظورا ووسعت كاليفورنيا ونيويورك ومينيسوتا الطريق بينما أظهرت فلوريدا وهاواي أن النقاش ينتقل إلى ساحات جديدة.
قد تخسر إيباك معركة وتربح أخرى. لكن عندما يتوقف السياسي عن الخوف منها يبدأ عهد جديد في السياسة الأمريكية.
ولهذا فإن ما يحدث لا يتعلق فقط بانتخابات 2026، ولا بعدد المرشحين الذين فازوا أو خسروا.
إنه يتعلق بكسر حاجز نفسي وسياسي استمر لعقود.
نعم انكسرت الأسطورة… والزلزال في الحزب بدأ.