آراء

سيزيف في الجهة الاخرى من الجبل .. هل نريد فعلا ان نصل ..؟

14 مشاهدة
سيزيف في الجهة الاخرى من الجبل .. هل نريد فعلا ان نصل ..؟

الكاتب : يونس العموري

كان سيزيف يدفع صخرته الى اعلى الجبل، يعرف انها ستعود، ويعرف انه سيعود معها الى السفح، ومع ذلك كان يواصل الدفع. لم يكن غبيا كما حاول بعض الفلاسفة ان يصوروه، ولم يكن بطلا كما تحب الحكايات ان تصنع من الذين يكررون عذابهم. كان فقط رجلا وقع في المصيدة الاكثر قسوة ..  ان يتحول التكرار الى قدر، والقدر الى عادة، والعادة الى شيء يشبه الحقيقة...  ولعل مأساة سيزيف الحقيقية لم تكن في الصخرة، بل في انه لم يسأل، طوال قرون اللعنة، السؤال البديهي .. ماذا لو كانت المشكلة ليست في عجزه عن دفع الصخرة، بل في اصراره على دفعها بالطريقة نفسها .. ؟ 

نحن ايضا لدينا صخرتنا...  لكن صخرتنا اكثر تعقيدا من صخرة سيزيف. صخرته حجر واحد، اما صخرتنا فهي وطن مجزأ، وذاكرة مثقلة، وارض تتناقص، وناس يزدادون، وقيادات تتبدل، وشعارات تبقى، وخرائط تتغير، ومؤسسات تتضخم، وانقسامات تتكاثر، وامل لا يريد ان يموت، حتى حين لا يجد من يرعاه...  منذ عقود ونحن ندفع هذه الصخرة. وكل جيل يصل الى السفح وهو يحمل آثار الجيل الذي سبقه على كتفيه. نغير اسماء المراحل، ونغير اللغة، ونغير الوجوه، ونغير موازين القوى، ثم نكتشف في النهاية ان الصخرة ما زالت في المكان نفسه، وان الجبل لا يزال اعلى مما ينبغي، وان الذين وعدونا بالقمة صاروا خبراء في شرح الطريق اكثر من كونهم قادرين على الوصول...  المفارقة اننا لم نعد نختلف على الصخرة نفسها، بل على من يملك حق حملها... وهنا بدأت الكارثة...  تحولت القضية من مشروع تحرر الى مجال واسع للتنافس على تمثيل التحرر. صار لكل طرف صخرة خاصة به، وكل صخرة تحمل تاريخا وشهداء وتضحيات وشرعية. وكل طرف يريد من الناس ان يصدقوا ان صخرته هي الاصل، وان الصخور الاخرى اما مزيفة او ناقصة او منحرفة عن الطريق...  وبينما يتجادل حاملو الصخور حول من كان اكثر اخلاصا، كانت الارض نفسها تتآكل تحت اقدامهم... 

لم تكن المشكلة يوما في غياب التضحيات. هذه الارض دفعت من دمها اكثر مما تستطيع الذاكرة ان تحصي. المشكلة ان التضحية، حين لا تتحول الى مشروع، يمكن ان تتحول الى رصيد سياسي. والشهادة، حين تتحول الى مادة للمزايدة، تفقد شيئا من قدسيتها. والذاكرة، حين تستخدم لاحتكار الحقيقة، تصبح سجنا جديدا بدل ان تكون جسرا الى المستقبل... ولذلك صار لدينا مشهد غريب ..  الجميع يتحدث عن فلسطين، لكن فلسطين نفسها تكاد تختفي من الكلام...  يتحدثون عن الشرعية، عن التمثيل، عن البرنامج، عن القرار المستقل، عن المقاومة، عن الدولة، عن الوحدة، عن الثوابت، عن الاعتراف الدولي، عن المجتمع الدولي، عن اللحظة التاريخية، عن الظروف الاقليمية، وعن كل شيء تقريبا باستثناء السؤال الذي يطارد الناس في بيوتهم .. الى اين نحن ذاهبون؟ .. ليس السؤال .. من المخطئ ..؟؟ ولا .. من كان اكثر وطنية.. ؟؟ ولا ..  من يملك التاريخ الاكثر نظافة..؟؟ السؤال ابسط واكثر قسوة.. هل نحن نقترب ..؟؟  لان القضية الوطنية لا تقاس فقط بعدد البيانات التي تصدر باسمها، ولا بعدد المؤتمرات التي تعقد حولها، ولا بعدد الصور التي ترفع في المناسبات، ولا بعدد الكلمات التي يقال فيها ان الوحدة الوطنية ضرورة تاريخية. تقاس ايضا بقدرتها على انتاج افق للناس، وبقدرتها على تحويل التضحيات الى قوة سياسية، والقوة السياسية الى انجاز، والانجاز الى خطوة اخرى... اما ان نبقى نعيد شرح فشلنا بلغة النجاح، فهذه ليست مقاومة للزمن، بل استسلام له... 

ولعل اكثر ما يؤلم في حكايتنا ان الذين يجلسون قرب الصخرة صاروا احيانا اهم من الذين يدفعونها. صار هناك من يتولى ادارة الصخرة، ومن يتولى الحديث باسمها، ومن يتولى حراستها، ومن يتولى تفسير تاريخها، ومن يتولى توزيع شهادات الوطنية على الذين يقتربون منها، حتى اصبح السؤال عن جدوى الدفع نفسه يبدو احيانا اكثر خطورة من سقوط الصخرة... وهنا تتساوى اشياء كثيرة رغم اختلاف شعاراتها... فالسلطة التي تخاف من السؤال، والقوة الوطنية التي تخاف من المراجعة، والنخبة التي تخاف من الاعتراف بالفشل، كلها تقع في الخندق نفسه، حتى لو اختلفت راياتها. لان الخوف من النقد هو في النهاية خوف من انكشاف المسافة بين ما نقوله وما نفعله...

ولا احد معصوم من هذه المسافة...  لا الذين جعلوا من الواقعية السياسية مذهبا يبرر الانتظار الى ما لا نهاية، ولا الذين جعلوا من المقاومة اجابة تصلح لكل سؤال، ولا الذين اكتشفوا فجأة ان الانقسام يمكن ان يصبح نظام حياة، ولا الذين يكررون ان الوحدة ضرورة ثم يضعون لها كل يوم شرطا جديدا، ولا الذين يتحدثون عن الشعب بوصفه مصدر الشرعية ثم لا يتذكرونه الا حين يحتاجون الى شرعية جديدة... الشعب نفسه صار صخرة في بعض الخطابات... يستدعى حين نحتاج الى صورته، ويغيب حين نحتاج الى صوته...يطلب منه الصبر، والتحمل، والتضحية، والانتظار، والثقة، ثم لا يسأل بما يكفي .. ماذا يريد هذا الشعب من حياته، لا من قضيته فقط ..؟ فالناس لا يعيشون على المجد وحده. يريدون بيتا آمنا، وعملا، وتعليما، وكرامة، وعدالة، ومؤسسات لا تعاملهم كمتهمين، وقيادات تستطيع ان تقول لهم الحقيقة حتى حين تكون الحقيقة مؤلمة. يريدون ان يشعروا انهم شركاء في المستقبل، لا وقودا في الطريق اليه... وهذا هو السؤال الذي تهرب منه السياسة كثيرا .. ماذا يحدث للقضية حين يتعب اصحابها ..؟

سيزيف لم يكن يتعب من الصخرة فقط. كان يتعب من المعرفة المسبقة بأنها ستعود. وهذه ربما هي اكثر نقاط التشابه قسوة بينه وبيننا. ان تعرف انك ستعود الى المكان نفسه، ثم تقنع نفسك كل صباح ان اليوم مختلف... نقول ان المرحلة مختلفة... ثم نفعل الشيء نفسه... نقول ان الظروف تغيرت... ثم نعيد الخطاب نفسه...نقول ان الانقسام يجب ان ينتهي... ثم نكتشف ان لكل طرف مصلحة في ان يبقى الانقسام تحت السيطرة لا ان ينتهي فعلا... نقول ان المشروع الوطني يحتاج الى تجديد... ثم نخاف من كل فكرة جديدة لانها قد تهدد ترتيب المقاعد القديمة... وهكذا لا تعود المشكلة اننا لا نعرف ماذا نفعل، بل ان كثيرا من الذين يملكون القدرة على الفعل اعتادوا النظام الذي يجعل عدم الفعل ممكنا... وهنا تصبح صخرة سيزيف اقل قسوة من صخرتنا... فسيزيف كان يعرف ان الآلهة تعاقبه... اما نحن، فنعاقب انفسنا ثم نختلف حول اسم العقوبة... وربما حان الوقت لكي نتوقف عن تمجيد الصخرة... ليست كل صخرة مقدسة لمجرد اننا حملناها طويلا. وليست كل عادة ثابتا وطنيا. وليست كل قيادة تاريخية صالحة الى الابد، ولا كل شعار قديم صالحا لمواجهة عالم تغير، ولا كل نقد مؤامرة، ولا كل اختلاف انشقاقا، ولا كل مراجعة خيانة... الوطنية التي لا تسمح لنفسها بالمراجعة تتحول في النهاية الى طقس... والثورة التي لا تعرف كيف تنتج مؤسسات عادلة تتحول الى ذاكرة... والسلطة التي لا تقبل النقد تتحول الى جدار... والقوة التي لا تعرف متى ولماذا تستخدم قوتها قد تتحول، من حيث لا تريد، الى جزء من ازمة شعبها... اما فلسطين، تلك التي نتحدث باسمها جميعا، فهي اكبر من كل هذه الترتيبات... اكبر من حزب، واكبر من سلطة، واكبر من فصيل، واكبر من قائد، واكبر حتى من الاجيال التي ظنت انها تملك حق احتكار تفسيرها... فلسطين ليست صخرة نرثها ثم نطلب من ابنائنا ان يدفعوها بالطريقة التي دفعناها بها... فلسطين سؤال مفتوح... واذا كانت الاجيال السابقة قد حملت الصخرة لانها لم تجد خيارا اخر، فان من حق الجيل الجديد ان يسأل .. هل ما زال هذا هو الخيار الوحيد ..؟ قد يكون السؤال مؤلما... وقد يثير غضب حراس الجبل... وقد يقال لمن يطرحه انه لا يعرف التاريخ، او انه يسيء الى التضحيات، او انه ضعيف الايمان، او انه يخدم خصمه دون ان يدري... لكن التاريخ نفسه لا يتقدم بالاجابات الجاهزة. يتقدم حين يجرؤ احدهم على السؤال في اللحظة التي يصبح فيها السؤال اخطر من الصمت...

كان سيزيف، في الاسطورة، محكوما بدفع الصخرة... اما نحن فلسنا ملزمين بأن نكون شخصيات في اسطورة كتبها لنا غيرنا... نستطيع ان نضع الصخرة ارضا... نستطيع ان نغير موقعنا... نستطيع ان نعيد تعريف الطريق... نستطيع ان نكتشف ان القمة ليست بالضرورة حيث قيل لنا انها تكون... وربما تكون الخطوة الفلسطينية الاكثر شجاعة اليوم ليست ان يدفع كل طرف صخرته بقوة اكبر، بل ان يتوقف الجميع لحظة، وينظروا الى الجبل، ثم الى الناس، ثم الى الصخرة، ويسألوا السؤال الذي تأخر كثيرا .. هل نريد فعلا ان نصل ..؟ ام اننا، في مكان ما من هذا الطريق الطويل، تعلمنا كيف نعيش من دون الوصول .. ؟