ثقافة

ثقوبٌ للضوء

76 مشاهدة
 ثقوبٌ للضوء
الشاعر: يوسف حنا
.
عليكَ أَنْ تثقبَ القصبةَ
قبلَ أَنْ تطلبَ منها
أَن تُغنّي.
فالأُغنيةُ
لا تولدُ من خشبٍ مكتمل،
ولا من ساقٍ مستقيمة
تخافُ أَن يُصيبَها الجرح.
.
ثقبٌ واحد
يكفي لكي يدخلَ الهواء،
لكنّه لا يكفي
كي يخرجَ منك الصوت.
ثقبٌ ثانٍ
لتعرفَ القصبةُ
أَنّ جسدَها ليس سجنًا،
وأَنّ الهواءَ
ليس عابرًا في جوفِها،
بل عاشقٌ أَعمى
يبحثُ عن نافذة.
ثمّ ثقبٌ ثالث...
هناك،
حيثُ يضعُ العازفُ إِصبعَه
على موضعِ الأَلم،
ويكتشفُ أَنَّ النغمةَ
كانت مختبئةً
تحت جلده.
لا تخفْ من الثقوب.
فالنايُ الذي لم يُجرحْ
يبقى قصبةً
تخضرُّ في الهامش،
ولا تعرفُ أَنَّ للريح
لغةً أُخرى
غيرَ العبور.
هكذا نحن أَيضًا.
كلُّ ثقبٍ في أَرواحنا
كان ذاتَ يومٍ حادثًا مؤلمًا،
ثم صارَ نافذة.
ذلك الفقدُ
الذي ظننتَهُ حفرةً في صدرِكَ،
كان ثقبًا صغيرًا
تسرّبَ منه القمر.
وتلك المرأَةُ
التي تركتْ على بابِكَ
مفتاحًا بلا بيت،
كانت تثقبُ في قلبكَ
مكانًا
للحنٍ لم تعرفْه بعد.
وذلك الصديقُ
الذي مضى
وأَخذَ معه نصفَ حديثِه،
تركَ في صوتِكَ
مسافةً جديدة
بين نغمتين.
حتى الموتى
لا يرحلون كاملين؛
إِنّهم يتركونَ فينا
ثقوبًا صغيرة،
كلّما مرّ بها الهواء
سمعناهم.
.
في طفولتي
كنتُ أَظنُّ أَنَّ النايَ
مجرّدُ قصبةٍ
تعلّمَتْ كيف تتكلم.
ثم كبرتُ...
وعرفتُ أَنَّ النايَ
قصيدةٌ من ثقوب،
وأَنَّ الصمتَ
ليس غيابَ الصوتِ،
بل انتظارُ المكانِ
الذي سيولدُ فيه.
وعرفتُ أَنَّ الإِنسانَ
كذلك:
لا تصنعهُ الأيامُ
بما تمنحهُ له،
بل بما تثقبهُ فيه.
نحنُ أَبناءُ الثقوب
التي تركتْها العواصفُ
في أَجسادنا.
نحنُ الموسيقى
التي خرجتْ
من أَماكنَ كان ينبغي
أَن يبقى فيها الأَلم.
.
يا صديقي،
إِذا أَردتَ أَن تعزفَ
فلا تبحثْ عن قصبةٍ
بلا ندوب.
خذْ تلك التي مرّت بها النار،
والريح،
والشتاء،
ويدٌ عرفتْ
أَين تضعُ إِصبعَها.
خذْ قلبَكَ أَيضًا.
لا تُلمِّعْ حزنَكَ كثيرًا.
اتركْ له ثقوبَه.
فربّما كانَ الجرحُ
هو الفتحةَ التي تنتظرُها الروح
كي يدخلَ منها الهواء.
وربما كانَ الحبُّ
ليس أَن تجدَ قلبًا كاملًا،
بل أَن تجدَ قلبًا
فيه من الثقوب ما يكفي
لكي تعبرَ منه
إِلى موسيقاك.
.
وعندما تنتهي من ثقبِ القصبة،
لا تعزفْ فورًا.
ضعْها على شفتيكَ
واصمت.
دع الهواءَ
يتذكّر طريقَه.
دع الخشبَ
يستعيدُ طفولتَه.
دع الثقوبَ
تتعرّفُ إِلى أَصابعِك.
ثم انفخ...
ستخرجُ من القصبةِ
أُغنيةٌ لم تكنْ تعرفُها،
وستكتشفُ فجأَةً
أَنَّها ليست أُغنيةَ القصبة.
إِنّها أُغنيتُكَ أَنت.
كلُّ ما فقدتَه،
كلُّ ما أَحببتَه،
كلُّ ما كسرَك،
كلُّ الأَبوابِ التي أَغلقتَها،
كلُّ الذين رحلوا
وتركوا فيكَ
نوافذَ مفتوحة...
سيخرجون دفعةً واحدة
من تلك الثقوب.
وحينها فقط
ستفهم:
لم تكن الثقوبُ
نقصًا في القصبة،
كانت الطريقةَ الوحيدة
التي عَرَفَتْها القصبة
كي تصيرَ أُغنية.
وتفهم،
بعد عمرٍ طويل،
أَنَّ اللهاثَ الذي ظننتَهُ
وجعًا في صدرك،
كان موسيقيًّا خفيًّا
ينفخُ فيك...
كي لا تموتَ قصبةً،
بل تعبرَ العالم
أُغنيةً.
*اللوحة من أعمال الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور 
.