ثقافة

حكاياي لأمي ... في ذكرى رحيلها ..

46 مشاهدة
حكاياي لأمي ... في ذكرى رحيلها ..

الكاتب : يونس العموري 

ألوذ بالفرار نحوك... واستشعر غضبك الراهن... فقد عاد قابيل ليقتل هابيل من جديد على مرأى ومسمع الريح وصوت استغاثة طفل يجوب على غير هدى بشوارع وأزقة يابوس. فقد كان هناك يعبث بتراب دافىء يشتم رائحته العطرة بشقائق نعمان الشهداء ، وقيل له إن هذا التراب هو المقدس، وقيل له يا أمي إن الأحمر القاني حرام على الأخ وإن الأشراف قادمون، وأخوة القيد لابد متوحدون، ولابد للصبح من موعد. وفي ساعة متقدمة من الصمت تتغير كل القيم والمعاني يا أمي، ويصبح قابيل سيد الأسياد، دعيني أشكو لك همي وهموم العتيقة وأنت العاشقة لحزانى الليل، فقد تبدل كل شيء وأصبحنا كمن هم اليتامى على موائد صناعة البيزنس وكل شيء مباح هنا بالبيع والشراء، والفرسان غائبون، والأمهات صرن ثكالى وأغانيهن تواشيح للحظات فراق الأحبة...

وأنا اليوم، يا أمي، أعود إليك مثقلاً بكل ما خبأته في صدري طوال هذه الأعوام، كأنني لم أجد بعدك صدرًا يتسع لكل هذا البوح، ولا أذناً تصغي إلى ارتباكات روحي كما كنت تفعلين . حلت أمس الذكرى الخامسة والعشرون لرحيلك، خمسة وعشرون عامًا وأنا أتعلم كيف يكون المرء وحيدًا وهو يحمل في داخله كل هذا الكلام. خمسة وعشرون عامًا وما زلت أبحث عن ذلك المكان الذي كنت ألوذ به حين تضيق بي الدنيا، عن تلك الجلسات التي كانت تبدو عابرة يومها، فإذا بها تصبح بعد غيابك أعمارًا كاملة من الحنين. كنت أجلس إليك وأفتح دفاتر يومي دون خوف، أنفث همومي واحدة واحدة، أضع تعبي على عتبة قلبك، وأترك لك مهمة الإصغاء. كنت مستمعتي التي لا تمل، وملاذ بوحي الذي لا يحتاج إلى كثير من الشرح؛ كنت تفهمين ما بين الكلمات قبل أن أنطق بها، وتعرفين من ارتجاف صوتي ما أخفيه عن الآخرين. ..

أشتاق يا أمي إلى وجهك حين كنت أصادف فيه طمأنينتي، إلى نظرتك التي كانت تقول لي إن العالم، على قسوته، ما زال يتسع لنا. أشتاق إلى جلساتي وإياك، إلى ذلك الصمت الذي كان بيننا كلامًا، وإلى تلك اللحظات التي كنت أقول فيها كل شيء ولا أخشى أن أبدو ضعيفًا أو حزينًا أو مثقلًا. كنت أجيئك بما عجزت عن قوله للناس، وأخرج من عندك أخفّ مما جئت، كأنني تركت بعض أوجاعي في حضرة قلبك. اليوم لا أحد يا أمي... لا أحد أجلس إليه فأقول له ما أقول لك، ولا أحد أستطيع أن أنفث في أذنه تعب السنين كما كنت أفعل. كبرت يا أمي، وتعلمت كثيرًا، وربما صرت أصلب في مواجهة الحياة، لكنني ما زلت ذلك الطفل الذي يبحث عن حضنك كلما أوجعته الدنيا... 

أيتها الغائبة الغالية والبعيدة عن مكامن يومي .. أتوسل إلى روحك بأن يزورني طيفك عند التماع بريق اشتياقي بعيون قد ذبلت يا سيدة تفاصيل الحب وأنشودة الفرح في ظل أشجاني، فأمعن يا قلبي بأحزانك، وامض بشرودك، وأطرب على أوجاعك، فهي لغتي من جديد، ورسم فسيفسائي... أعود لأناجي أحلامي وخيالاتي وانتظاراتي، اشتقت إليك أيتها العجوز الجميلة المرتسم على وجنتيها كل اشكال قصص الأولين. اشتقت لخزعبلات الكلام، للمسة يديكِ ... لعيونكِ التي تحيلني لطفل بحضرتها... لكلامكِ افتقد عند آخر الليل لأستغرق بأمن بمنامي. لرائحتكِ ...لعطركِ... لخجلكِ... لغضبكِ... لشرود عينيكِ... اشتقت لقلقكِ... للهفتكِ... لسؤالكِ افتقد... لإجاباتكِ تأتيني... لشكوككِ.. لصوتكِ... لكلكِ... اشتقت إليك ِيا أمي .. فلا تمعني بالغياب وعديني بأن تأتيني عند الصبح أو بآخر الليل...

وأريد أن أشكو لك يا أمي شيئًا آخر، شيئًا ربما كنت سأخبئه عنك لو كنت أمامي الآن، ثم ما كنت لأستطيع إخفاءه طويلًا، لأنك كنت تعرفينني أكثر مما أعرف نفسي. أريد أن أقول لك إن الحب غادرني، أو لعله ظل يبتعد عني كلما اقتربت منه، وأنا منذ أعوام ألهث وراء أثره، أبحث عنه في الوجوه، وفي العيون، وفي الطرقات، وفي المدن التي عبرتها، وفي الأزمنة التي عشتها والتي لم أعشها بعد. أبحث عنه في صباحات لم تأتِ، وفي ليالٍ مضت، وفي امرأة تشبه حلمًا قديمًا ولا تشبه النساء، وفي صوت بعيد أظنه صوتًا أعرفه، وفي عطر يعبرني فجأة فألتفت كالمجنون باحثًا عن صاحبة الأثر...

أبحث عن الحب يا أمي في كل الأمكنة، وأطارد ظله في كل الأزمنة، كأنني فقدت شيئًا لا أعرف له اسمًا سوى أنك كنت أول من علمني أن للقلب وطنًا. أفتش عنه في الحاضر فلا أجده، وأستدعيه من الماضي فلا يعود، وأمد يدي نحو المستقبل لعلّه يجيء من هناك، من جهة لا أعرفها، ومن امرأة لم تأت بعد. ألهث خلفه كما يلهث طفل خلف طائر أفلت من يده، وكلما ظننته اقترب، كان يبتعد أكثر. ولعل وحدتي ليست لأن الحب غادرني فقط، بل لأنني لم أجد بعد من أستطيع أن أبوح له بهذا الغياب كما كنت أبوح لك... 

كنتِ ستسمعينني يا أمي دون أن تقاطعي ارتباك الحكاية، وربما كنتِ ستبتسمين تلك الابتسامة التي أعرفها، وتقولين لي إن القلب لا يتعلم من النصائح، وإن بعض الأشياء لا تأتي حين نبحث عنها، وإن عليّ أن أترك للحياة شيئًا من مفاجآتها. وربما كنتِ ستغضبين مني لأنني ما زلت ألهث خلف سراب الحب، ثم تصمتين، وأقرأ في عينيك شيئًا لا تقولينه. كم أشتاق لأن أجلس قبالتك الآن وأضع رأسي بين يديك، وأقول لك ببساطة .. يا أمي، أنا متعب... أنا وحيد... والحب الذي كنت أظن أنه سيأتي ليؤنس هذا العمر تأخر كثيرًا، وأنا ما زلت أبحث عنه...

سنديانة الحياة هي تلك الرائعة ... يمامة تهمس أنشودتها.. وتشدو أغانيها... وتكتم غيظها... وأنا القابع يكتب مرثياته... ويسطر حروف مخطوطاته، بالساعات المسائية أسير تحت المطر والهواء البارد يتسللني... لعله آتيا من هناك...يلسعني... يذكرني بامرأة لا تشبه كل النساء ، كانت إن تكلمت أصغي إليها بشغف، وإن صمتت أقرأ عينيها. تربعت على عرش مكنونات لحظاتي، أقبل يديها صباحا لأطارد الغمام، أدقق النظر نحو السماء، والمطر يغسل كل غباري. أرقب غيمة بأطراف الأفق، تشبهني... شامخة دون مطر، رذاذها مختلف ولم يهطل مطرها كباقي الغمام.أطاردها، أسافر وراءها، فإذ بها تُعلمني عن مكانها.... لأجدني عند أسوار الجلجلة، بحواري القدس العتيقة، وبدرب آلام السيد المسيح  تقف. وأقف، وبلحظة تُسقط أمطارها. ورذاذها يعلنني أميرها، وتتوحد دمعة ترقرقت بمقلتي وكأننا قد بكينا معا. افتقدتكِ... واعترف أني بكيتكِ الليلة، والغيمة منتظرة، والقدس الحزينة ما زالت تتألم، والدمعة مترقرقة. وأدركت يا أمي يا أجمل الكلمات أن هذه الغيمة هبة من أيقونة قلبك. يا رغيف خبز لجائع عند أطراف المدينة، ويا نبتة زعتر برية فوق روابي الجمال، تعالي فنحن بالانتظار يا صادقة الدمع وتعويذة الصلاة. افتقدك أنا الآن، فأنت من فكك معادلة خربشاتي وأول من ألقى في وعي الحروف... ومزج ألواني ... ومن علمني صناعة الموقف وصلابة اللحظة .. وكيف أُحيل الحزن إلى قوة وعطاء. زيتونة شامخة بكبرياء يطال عنانها السماء، والضاربة جذورها بأرضي العطشى، كانت تحنو على ظلال عشقي.. وتعلم كينونة خربشات ذاتي، وتفهم قراءاتي وايماءاتي دون ان تجيد القراءات النصية، وتعايش لحظاتي، وتمسك بحقيقتي، منحت حروفي وهجها والكلمة سحرها. والماضي ذكراه.. والحاضر مذاق المتعة، والمستقبل امل المعايشة وحق الخيال... 

وأتذكر وجهك يا أمي كلما جلست وحيدًا إلى طاولتي، كأنني أراك في الجهة الأخرى، تستمعين إلى ثرثرتي التي لا تنتهي، وأنت التي كنت تعرفين كيف تجعلين من شكواي حديثًا، ومن الحديث طمأنينة، ومن الطمأنينة قدرة على مواصلة الطريق. كنتِ حاضرة في تفاصيل أيامي الصغيرة قبل الكبيرة؛ في فنجان الصباح، في سؤال عابر، في جلسة مسائية، وفي تلك النظرة التي كانت تختصر عليّ صفحات طويلة من الكلام. واليوم، حين تتكاثر الهموم، أبحث عن كرسيك الفارغ، وأتخيل أنك ستدخلين من الباب، تجلسين في مكانك، وتنظرين إليّ كما كنت تفعلين، فأبدأ حديثي من حيث انتهيت في الأمس البعيد... 

امرأة سكنت ثناياي. وتربعت على الحكاية. سيدتي انت الحكاية والقصة والرواية، انت اهزوجة فرح ترددها طفلة بحواري القدس، وانت ترتيل راهبة بدير يقبع بأعالي الجبل، أنت اقصوصة حكايا العشق، وأنت الأمينة على انّات المعذبين. انت يا سيدتي من ارتشف بحضرتها شراب السماء، وانت من تعلمني معنى أن اشدو بمزامير الهوى. انت ذاك الوتر للموسيقى التي تمنحه للروح. أنت التحليق في ملكوت السماء، وانت التذوق لشهقة العاشق، وأنت المرأة التي تعبر المكان والزمان تقف عند باب المغارة تنتظر ذاك القادم من غبار المسير.. أنت القصة التي بدأت هناك منذ آلاف السنين.. وانت من يبحث عنها قلمي دوما، وانت من يخبرني الطير عن جنونها في التحليق، ومن تشدو بأسمها حساسين البراري. انت من أقف على اعتاب بوابتها منتظرا شيئا من عطاءاتها، ومن أتسوّل مستجديا من معبدها نظرة في عينيها ومن يلفحني الشوق اليها. تأتيني موسيقاها، لأستمع لأناتها الأتية من البعيد، ولتكون نداء البعيد للبعيد.. وحتى أكون انا القريب والقريبة هي مني. يأتيني هذا الشجن الجميل ليعزف على اوتار قلبها حبا وحنينا للزمن الجميل. امسك بأطراف سيجارتي، واشرد بكل براري الهوى وموسيقاها تصدح وراسي يتثاقل، وتتراءى امامي صور وحكايا.. واقاصيص وجهها ونظرات عينيها الثاقبتين. أشرد أكثر وأرسم محياها، أكاد أسمع شهقات انفاسها وربما ايضا لصوتها المبحوح العابر، لآهاتها نغمة الناي الحزينة، وبصمتها موسيقى خربشات ذاتها التي تحيا استحضر روحها هنا بالمكان.. حيث موسيقاها والقدس.. وحجار قابعة بمكانها لن تبرح الزمان.. وامرأة جميلة تقف صامتة وتتساءل عن جنوني، وعن لمعان بريق عيني للحظة تتساءل .. أين أنت يا هذا..؟! من هذه التي تسكنك وتسكن بريق عينك؟ ومن التي تأخذك الى حيث انت الآن..؟ أأنت بمملكتها أسيراً لهواها؟ أم أنت محلق على جناحيها..؟ هو الصمت والسكوت عن كل الكلام، أكاد اتحول الى صوت لموسيقاها الآن... فهل تسمعيني..؟ عاشقتي تسكن هناك في ثنايا خيوط الشمس، عاشقتي تعبر أمكنتي وأزمنتي، وتسافر بين ضلوعي وتستقر بين كلماتي.. وتعلن للملأ انها متمردتي، وأنها ستنقش عباراتي بأعماقها وستقرأ اسفار تكويني...

ولعلني، يا أمي، أبحث عن الحب لأنني منذ غيابك فقدت أول مكان آمن كنت أضع فيه قلبي. ربما لهذا صرت أبحث عنه في كل امرأة، وفي كل طريق، وفي كل مدينة، وفي كل قصيدة، وفي كل غيمة تمر فوق رأسي. أبحث عن شيء من دفء جلساتنا القديمة، عن شيء من الطمأنينة التي كانت تسكن عينيك، عن يد تمسح عن روحي غبار الطريق دون أن تسألني لماذا تعبت. أبحث عن امرأة تستطيع أن تجعلني أتكلم كما كنت أتكلم معك، بلا أقنعة ولا حذر، وأستطيع أمامها أن أقول .. أنا خائف، أنا حزين، أنا مشتاق، أنا وحيد. ولعلني لهذا السبب ما زلت أفتش عن الحب في الأزمنة كلها، لأنني لم أعد أعرف أين ينتهي الماضي ويبدأ الحاضر، وأين يمكن للمستقبل أن يخفي لي امرأة أستطيع أن أقول لها ما كنت أقوله لك... 

يا أمي، هل كنت ستفهمين هذا التيه؟ هل كنت ستضحكين من رجل في هذا العمر ما زال يركض خلف قلبه كأنه طفل يبحث عن لعبته الأولى؟ أم كنت ستضعين يدك على كتفي وتقولين لي إن الحب لا يُستجدى، وإن القلب حين يجد مأمنه يعرف الطريق وحده؟ ليتني أستطيع أن أسمع إجابتك الآن، ليتني أستطيع أن أجلس إلى جانبك في مساء طويل، وأنفث كل هذا التعب، وأقول لك عن امرأة لم تأتِ، وعن حب غادرني، وعن قلب ظل واقفًا على عتبة الانتظار، وعن رجل يكتب كي لا ينهار، ويبحث كي لا يعتاد الوحدة... 

يا سادة وسيدات العشق منذ ان كنتم اسمعوا بياني، وقفوا بكل هيئاتكم.. واستعدوا.. فها هي قادمة بكل جبروتها وعشقها ولمساتها ونارها ستحرقني حينما تقترب. والإقتراب منها موجع والبعد عنها انتحار.. ومملكتها هناك. لا يدخلها من لم يعلن من ذاته متعبدا بمحرابها. وراكعا بحضرة بلاطها. صمتها وصمتي كلام، وسكوتي أبلغ الكلام.. وصمتها صلاة وتعويذة لذاتها. أصمت، قالت أصمت وصمت عن الكلام، لأتيح لها ان تصلي في محرابها وترتل شيئا من مزامير عشقها بينها وبين ذاتها. اقترب اكثر من أيقونة قلبكِ، واصلي في معبد روحكِ، واعتلي منصة إمارتكِ واحاول ان تتنفس عشقكِ، والهث وراء لمعان عينيكِ، واغضب حينما لا ارتل اسمكِ. واقرأ في مزامير الهوى، واختلي في صومعة تأملكِ، واصنع حكاياتي، واقص على ذاتي اسفار التكوين، فانا القديس الناسك المتصوف بإمرأة لا تشابه النساء، وكائنة اخرى غير التي تعرفونها، لها ضياؤها ونورها ينبلج عند التماع حقيقتها.. كانت إن مشت تزفها نسائم العليل العابرة للمكان، وإن غفت وأسبلت عيونها تحرسها ملائكة أحلامها، وإن نطقت بشيء من تراتيلها وقالت كلمتها فلا بد ان تمضي وتتوارى، وان ابتسمت أقسم أن هذا يوم عيدي. فيا سادتي كيف لي ان لا أكون قديسا في قداسة حبها وعشقها..؟

يداهمني الحزن بلحظة الاشتياق يا عجوزي الجميلة، فأنا الحزين مثل سنبلة حزينة، غادرها الربيع وأحنت رأسها للمناجل. حزين مثل أغنية الأمهات تهدهد أطفال الحواري. حزين مثل هذه الأرض عطشى تنتظر الخلاص. حزين مثل المغارات التي شهدت صوت طفل مقاتل. حزين مثل أعواد الصليب، مثل المسامير التي حطمت هذه الأنامل. حزين منذ غادر الطائر الأرض نحو المنافي وتفرق الريش بين المعابر، حزين منذ دهر مضى. حزين لدهر آت وحزين لدهور ستأتي دونك ودون بسمة تعيد لي توازناتي، وأصوات البلابل، وزقزقة العصافير... 

واليوم، بعد خمسة وعشرين عامًا، ما زلت يا أمي أتعلم أن الغياب ليس أن يغيب وجه من نحب، بل أن تظل كل الأشياء حاضرة إلا هو. أن ألتفت فلا أجدك، أن تداهمني فكرة فأبحث عنك لأرويها، أن يثقل صدري فأمد يدي نحو الهاتف ثم أتذكر أن الموت أخذ منك إمكانية الإجابة، وأن خمسة وعشرين عامًا لم تستطع أن تعلمني كيف أعيش دون أن أفتقدك. ما زلت أريد أن أحكي لك عن كل شيء؛ عن الطرق التي مشيتها، عن الذين جاؤوا والذين رحلوا، عن الحب الذي لم يصل، عن المدن التي أرهقتني، عن القدس التي لم تتوقف عن وجعها، عن الكتابة التي صارت ملجئي، وعن وحدتي التي لا يعرفها أحد كما تعرفينها أنت لو كنت هنا... 

أقول لك يا أمي إنني ما زلت أبحث عن ذلك الحب الذي كنت أظنه سيأتي ذات يوم ويجلس إلى جانبي، كما كنت تجلسين. أبحث عنه في الأمكنة التي لم تطأها قدماي، وفي الأزمنة التي لم تعشها روحي، وفي الوجوه التي تمر بي ثم تختفي، وفي العيون التي تلمع للحظة ثم تنطفئ. أبحث عنه في الماضي كأنني أستعيد شيئًا ضاع، وفي الحاضر كأنني أستدعي موعدًا متأخرًا، وفي المستقبل كأنني أراهن على امرأة ستأتي من جهة الغيب لتقول لي إن كل هذا الانتظار لم يكن عبثًا. وما زلت ألهث يا أمي... ألهث خلف الحب، لا لأنني أريد أن أنسى غيابك، بل لأنني أريد أن أجد من أستطيع أن أقول لها يومًا: كنت أمي أول من علمني كيف يكون الحب ملاذًا، وأنت آخر من علمني أن القلب يستطيع أن يجد ملاذًا جديدًا دون أن يخون ذاكرته الأولى... 

إليكِ يا أمي في يوم رحيلك  وأنت التي لم تغادرين يوماً أجثو لأقبل ترابا تعمد من طهر كعبك، وإلى روحك ألف تحية. يا أيتها المعلمة يا من علمتي طفلك القابع الآن بكينونة الحياة صلابة الموقف وصناعته في ظل اختلاط الحقائق وتغيرها، وكيفية تبلور الموقف المعبر عن الروح الإنسانية، إليك سأصلي وابتهل لأكون جديراً بحمل اسمك...