ثقافة

هزائم يومية...

30 مشاهدة
هزائم يومية...
الكاتب: د.ايهاب بسيسو
طوال فترة الحرب، كان المقهى ملاذي اليومي، انفجارات نوبات الهلع في حجرتي الضيقة. هل كنت أهرب من طنين العزلة، إلى طنين الحياة اليومية الموازية؟ ربما، كان الأمر كذلك...
ربما كنت أحاول النجاة من مأساة الصخب الخانق، بالاندفاع نحو متاهة الصخب الغامض، المتشكل من أصوات وحكايات، تنفجر حولي على هيئة وجوه بلا ملامح، تتبادل أحاديث النهار المثقلة بالأخبار والخيبات...
غير أنني طوال تلك الساعات التي كنت ألجأ فيها إلى خلاص وهمي في المقهى، كنت كمن يقفز إلى عمق بئر بلا نهايات، حيث تتعقبني نوبات الهلع بإصرار خفي، يطل من توتري الملتحم بشاشة الهاتف الجوال، متابعاً تحديثات الأخبار ومتعقباً مسارات الدخان في الأزقة، على هامش محاولات بائسة لتقمص دور كائن اجتماعي، قادرٍ على تبادل التحيات والأحاديث العابرة، رغم ثقل كابوسي يشل ملامح الوجه المنهك...
في كثير من الأحيان، كنت أحاول تفادي القلق، أو التحايل على نوبات الهلع باصطحاب بعض من عاداتي القديمة إلى المقهى، كأن أجلس إلى طاولة تطل على الشارع المزدحم من وراء نافذة زجاجية عملاقة، مستنداً إلى كتاب جديد، قفز من أرفف مكتبتي الخاصة إلى حقيبة الكتف الجلدية، أو أن أجلس إلى شاشة اللاب توب محاولاً إنجاز كتابة ما، تتراوح بين المقال والدراسة الأكاديمية...
غير أنني كنت أواجه هزيمة متجددة، في كل مرة اعتقدت فيها أنني قادر على المزاوجة ببن طنين الموت وطنين الحياة اليومية...
في الحرب، أقصد في تلك المساحة الصاخبة، الممتدة بين أزمنة معجونة بالذكريات، تنعدم الجاذبية النفسية، وينفصل العالم المادي عن دقات الساعة، وتحوم المخيلة في الهواء مثل طيور ميتة...
هكذا كانت تمضي ساعات النهار في المقهى، قبل أن تسترد الكوابيس الجسد المنهك، في ساعات الليل، بمجرد أن يضع رأسه على الوسادة، ظناً أن النوم قد ينقذه - ولو مؤقتاً - من جحيم الطنين الخانق...