الاخبار الرئيسية

عميرة هاس: التهجير وليس الدولة الفلسطينية هو المطروح على جدول الأعمال

80 مشاهدة
 عميرة هاس: التهجير وليس الدولة الفلسطينية هو المطروح على جدول الأعمال
 
تل ابيب - واثق نيوز- عميرة هاس- هآرتس: موقف غادي أيزنكوت من الدولة الفلسطينية غير ذي صلة. فما هو مطروح اليوم على كفّة الميزان ليس «حلاً سياسياً»، بل مجرد وجود الشعب الفلسطيني بين النهر والبحر. القوى اليهودية التي تسعى إلى «محوِه» لا حدود لها ولا رادع لها. وأنصارها كثيرون إلى حد لا يمكن معه أن نعتمد فقط على صمود هذا الشعب وقدرته على الاحتمال، وهو الشعب الذي خبر خطط التهجير التي نفذتها إسرائيل بحقه بالفعل.
العالم يقف متفرجاً. اليسار صغير وضعيف ومبحوح من كثرة التحذيرات. أما المعارضة المناهضة لنتنياهو فتتراوح بين التقليل من حجم الخطر، واللامبالاة، ودعم التهجير. والإدانات المتقطعة — ولا سيما عندما يغرد السفير الأمريكي بشيء ما — أشبه بمحاولة تغطية أنفسنا بمصفاة في يوم ممطر. فالفلانجات اليهودية تهاجم طوال الوقت وفي كل مكان، وليس في قصرة فقط.
إن النقاش حول دولة واحدة أو دولتين أو اتحاد فيدرالي أصبح أكثر نظرية من أي وقت مضى. وللتوصل إلى حل متفق عليه، يجب أولاً الاعتراف بالمشكلة والاتفاق على ماهيتها. لقد جرى توجيه عدد كبير جداً من اليهود في إسرائيل إلى الاعتقاد بأن المشكلة هي أن شعباً فلسطينياً يعيش في هذه البلاد، له جذور، واستمرارية تاريخية واقتصادية، ورأس مال ثقافي وممتلكات مادية، وتراث زراعي غني، وحب للوطن. أما «المحو» فهو حل الكابوس الذي يجري تدوينه يومياً. القوانين في الكنيست، وتصريحات السياسيين، والأوامر العسكرية، والكتب المدرسية، و«كتائب العقارات المقدسة» في غزة والضفة الغربية والنقب — كلها مجتمعة ومنفردة تدفع قدماً بهذا «الحل» بجد واجتهاد، ومن دون خشية من الأجانب.
السياسة الإسرائيلية تُوجَّه نحو جعل الحياة مستحيلة على الفلسطينيين أينما كانوا، بحيث يمكن تعريف الهجرة بأنها إرادة حرة. ففي إسرائيل نفسها، تمنح السلطات منظمات الجريمة العربية حرية التسلح وقتل المواطنين الفلسطينيين في منازلهم. وفي الضفة الغربية، تمنح السلطات الإسرائيلية نفسها كتائب «يهتف الرب» حرية التسلح والقتل والطرد، فيما يواصل الجيش الرسمي مداهماته ليلاً ونهاراً. وفي غزة المدمرة والعطشى، تعمل الحكومة والجيش على تنمية ميليشيات مسلحة من المتعاونين والمجرمين، فيما يواصل طيارونا إطلاق صواريخ الانتقام والثأر التي تحصد أرواح مزيد من الأطفال. كل هذه المظاهر الاستعراضية المفرطة في الذكورية مرتبطة ببعضها بعضاً.
وفي الوقت نفسه، تعمل إسرائيل على تدمير إمكانات الفلسطينيين لكسب معيشتهم، أو الحد منها إلى أدنى مستوى. في غزة اكتملت المهمة. شعب بين الموت والحياة، يعيش على شكل تجمعات تعتمد على التبرعات، مليونا إنسان، وحوالي 74 ألف قبر حديث، وعائلات وذكريات، ومواهب ومهن، ومدخرات تبخرت، محشورون في نحو 150 كيلومتراً مربعاً من الأرض المحروقة. تتضاءل الإبداعية والقدرة على تدبير الأمور والمساعدة المتبادلة أمام حجم الدمار والحظر الإسرائيلي لإعادة الإعمار والتعافي.
وفي الضفة الغربية، يواصل حبل الخنق المالي الذي تفرضه وزارة المالية الالتفاف بشدة حول أعناق نحو ثلاثة ملايين إنسان والسلطة الفلسطينية. وينضم نهب الإيرادات المتكرر إلى حملات الدمار التي ينفذها الجيش في المدن والمخيمات، وإلى سائر الأساليب التي تمنع الفلسطينيين من زراعة أراضيهم وتطويرها: الحواجز، والحظر البيروقراطي، والأسوار، والرعاة اليهود.
وفي إسرائيل نفسها، كانت وما زالت «تهويد الجليل والنقب» كلمة مشفرة لنهب الأراضي والموارد من الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل. كما أن التمييز ضدهم في المخصصات والدعم وفرص العمل، وحظر البناء وهدم المنازل، كانت جميعها حاضرة على الدوام في السياسة الرسمية داخل الخط الأخضر.
لنكرر القول: إن مجرد وجود الشعب الفلسطيني بين البحر والنهر أصبح اليوم مهدداً. هناك عدد كبير جداً من العوامل الفاعلة التي تنتج هذا الخطر: القوة والقدرات العسكرية لإسرائيل؛ عبادة الخدمة العسكرية مهما كانت الظروف وتحت أي حكومة؛ الطاعة باعتبارها قيمة؛ السلاح والهجمات العسكرية باعتبارهما الخيار الافتراضي؛ تطبيع ظاهرة اضطرابات ما بعد الصدمة والانتحار بين الجنود؛ إغراءات المسار المهني العسكري والأبواب التي يفتحها؛ إغراءات فيلا في مستوطنة في الجليل أو في ضاحية استيطانية في الضفة الغربية، بسعر شقة إسكان شعبي؛ أكاذيب الدعاية الرسمية وغير الرسمية؛ اللامبالاة تجاه الجحيم على الأرض الذي خلقته إسرائيل في قطاع غزة؛ إنكار ستين عاماً من الاحتلال والسيطرة القسرية؛ الرد البافلوفي: «لكن السابع من أكتوبر»؛ التآزر بين الجيش والحكومة والحاخامات مع الميليشيات التي ترتدي القلنسوة الدينية؛ اللامبالاة تجاه تدمير لبنان؛ تجاهل احتلال أجزاء إضافية من سوريا؛ تطبيع خطاب التهجير؛ منظومة القضاء والتعليم المصابة بالعنصرية العلمانية والدينية؛ وجيش السجانين الذي يمارس الاعتداء، بأوامر وبإرادته، على آلاف المعتقلين الفلسطينيين.
هذه العوامل وما يشبهها، مجتمعة، تخلق داخل المجتمع الإسرائيلي ـ اليهودي بنية مادية وأيديولوجية ونفسية لتنفيذ عملية تهجير جماعي أخرى للفلسطينيين، وما يرافقها دائماً: قتل جماعي.
أبطال الميليشيات في الضفة الغربية يعلنون علناً أن التهجير هو هدفهم. وهم يدركون جيداً استعداد قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي ـ اليهودي للمشاركة، بصورة نشطة أو سلبية، مباشرة أو غير مباشرة، في تحقيق هذا الهدف.
ومن خلال استفزازاتها وجرائمها اليومية، في وضح النهار — وهي جرائم ما كانت لتكون ممكنة لولا الدعم المؤسسي — تدفع الفلانجات باستمرار نحو نوع من رد الغضب والانتقام الفلسطيني «الناجح»، ليُستغل كعود ثقاب لإشعال حرب مقدسة جديدة.
وتستند الفلانجات اليهودية والمنظمات اليمينية التي تغذيها إلى تعبئة واسعة — تشمل أيضاً قادة وناخبي وداعمي حزبي «يشَر» و«الديمقراطيين» — لخوض حرب يمكن بالفعل أن نطلق عليها اسم: «شعب واحد، جيش واحد، وأرض واحدة نظيفة من العرب».

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية