الاخبار الرئيسية

كيف اتسعت شبكات التهريب في غزة؟

63 مشاهدة
كيف اتسعت شبكات التهريب في غزة؟

غزة - واثق نيوز- كشف تحقيق لوكالة "أسوشيتد برس"، نشر اليوم الخميس، عن اتساع شبكات تهريب البضائع إلى قطاع غزة، في ظل القيود الإسرائيلية المشددة على دخول السلع، وتحول التجارة غير القانونية إلى جزء متزايد من اقتصاد القطاع، فيما يدفع السكان أسعاراً باهظة للحصول على احتياجات أساسية.

واعتمد التحقيق على تحليل وثائق قضائية إسرائيلية ومقابلات مع تجار وسائقي شاحنات ومسؤولين فلسطينيين وأمميين وسكان في غزة، وأظهر أن شبكات التهريب توفر مجموعة واسعة من السلع، تشمل السجائر والتبغ والوقود والهواتف الذكية وألواح الطاقة الشمسية، إضافة إلى الأدوية والمعدات الطبية وقطع غيار السيارات ومواد البناء.

وتفرض إسرائيل قيوداً على كميات بعض السلع وتحظر دخول أخرى، فيما تصنف نحو 150 فئة واسعة من المنتجات باعتبارها "ذات استخدام مزدوج"، بحجة إمكانية استخدامها لأغراض عسكرية.

وبحسب التحقيق، تسمح سلطات الاحتلال الإسرائيلي لنحو 12 تاجراً رئيسياً في غزة باستيراد البضائع التجارية بعد الحصول على موافقات مسبقة، إلا أن بعضهم يلجأ إلى شبكات التهريب لتوفير سلع لا يمكن إدخالها عبر القنوات الرسمية.

ولم تقتصر الحاجة إلى هذه الشبكات على التجار، إذ لجأت مستشفيات ومؤسسات مدنية في القطاع إلى المهربين للحصول على أدوية ومعدات طبية وقطع غيار ووقود ومولدات، فيما طلب وجهاء عشائر إدخال أدوية يحتاج إليها سكان مناطقهم نتيجة النقص في الأسواق.

وتتم عمليات التهريب عبر شبكة من الوسطاء والمنسقين على جانبي الحدود، إذ يرسل التجار قوائم بالسلع المطلوبة إلى منسقين يتولون توفيرها وترتيب طرق إدخالها إلى القطاع.

وتدخل غالبية البضائع التجارية والمساعدات عبر معبر كرم أبو سالم وتخضع الشاحنات للتفتيش، لكن المهربين يستخدمون، وفق التحقيق، مسارات ووسائل أخرى، بينها مركبات عسكرية إسرائيلية وشاحنات تجارية، وأحياناً مركبات تابعة لمنظمات إنسانية.

وأظهرت إفادات التجار أن دفع الرشاوى لجنود وسائقين وعمال مستودعات ووسطاء وغيرهم أصبح جزءاً من آلية تسهيل مرور الشحنات، حتى بات التهريب، بحسب أحد التجار، "أمراً روتينياً" ووسيلة ضرورية للحصول على بعض السلع.

ووفق بيانات تجار تحدثوا إلى الوكالة، تجاوزت حصة التهريب نصف نشاط بعضهم، ووصلت إلى أكثر من 70% من أرباحهم، فيما تنعكس تكاليف عمليات التهريب والرشاوى والعمولات على أسعار السلع في الأسواق.

أسعار قياسية للسلع

أدى اتساع هذه الشبكات إلى ارتفاع حاد في أسعار العديد من السلع، إذ ارتفع سعر بطارية السيارة إلى أكثر من 2300 دولار، مقارنة بنحو 140 دولاراً قبل الحرب، فيما بلغ سعر ألواح الطاقة الشمسية نحو 3.25 دولارات للواط، مقابل 16 سنتاً قبل الحرب.

وتعد السجائر والتبغ من أكثر السلع ربحية للمهربين، بعدما حُظر إدخالهما إلى غزة منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ووصل سعر علبة السجائر، وفق التحقيق، إلى نحو 140 دولاراً مؤخراً، فيما تجاوز ألف دولار خلال فترة الحصار الكامل التي توقفت خلالها إمدادات السلع إلى القطاع.

  ويستخدم المهربون أساليب متعددة لإخفاء شحنات السجائر، من بينها إدخالها عبر مركبات عسكرية وشاحنات تجارية وشحنات مساعدات، فضلاً عن إخفائها داخل منتجات أخرى، بحسب وثائق قضائية إسرائيلية.

وكشف التحقيق عن شخصية غامضة تعرف باسم "أبو باسل"، قالت مصادر عديدة إنها من أبرز منسقي عمليات التهريب، رغم عدم تمكن الوكالة من تحديد هويته.

وأظهرت وثائق قضائية إسرائيلية أن الشرطة داهمت مستودعاً في مستوطنة بالضفة الغربية، عثرت فيه على هواتف وسجائر كانت معدة للنقل إلى غزة، لكن العملية انتهت دون اعتقالات أو مصادرة للبضائع، بعد تواصل أحد المهربين مع "أبو باسل".

وقال مسؤول كبير في غرفة تجارة غزة إن "أبو باسل" يتمتع بنفوذ واسع داخل شبكة التهريب، فيما أشارت وثائق قضائية إلى استخدام منظمة إغاثة كغطاء لأنشطته، وهو ما نفته المنظمة، مؤكدة عدم وجود صلة لها بالتهريب.

جنود إسرائيليون ضمن الشبكة

وفي إسرائيل، كشفت لوائح اتهام عن جانب من حجم الشبكة، إذ أعلنت السلطات منذ أواخر عام 2025 تفكيك عدة شبكات، ووجهت اتهامات إلى أكثر من عشرة أشخاص، بينهم جنود احتياط شاركوا في عمليات داخل غزة.

وفي إحدى القضايا، اتُهم أربعة إسرائيليين بإدارة شبكة تهريب من مدينة كريات غات، وإقامة علاقات مع جنود احتياط وتقديم رشاوى لهم لتسهيل إدخال الشحنات.

ووفق لائحة الاتهام، تلقى أحد الجنود نحو 120 ألف دولار مقابل إدخال ثلاث شحنات تضمنت نحو 6 آلاف علبة سجائر، فيما نفذ جنديان آخران أربع رحلات إلى غزة في يوم واحد ونقلا نحو 20 ألف علبة سجائر ومئات أجهزة "آيفون" ومعدات طبية.

وتشير وثائق المحاكم الإسرائيلية إلى تداول ملايين الدولارات داخل هذه الشبكات، إذ اتُهم شقيقان بتحقيق نحو 2.2 مليون دولار من عمليات تهريب بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر، بينما تراوحت الأرباح المنسوبة إلى متهمين آخرين بين مليون وثلاثة ملايين دولار.

ويرى التجار والسائقون الذين تحدثوا إلى "أسوشيتد برس" أن القضايا التي كشفتها السلطات الإسرائيلية لا تمثل سوى جزء محدود من شبكة تهريب أوسع، باتت تؤدي دوراً متزايداً في توفير السلع داخل القطاع.

اقتصاد موازٍ تحت الحصار

وبالنسبة لسكان غزة، لا تقتصر القضية على التجارة غير القانونية، بل ترتبط بالقدرة على الحصول على احتياجات أساسية في ظل ظروف معيشية قاسية.

فقد ارتفع سعر المروحة، التي كانت تباع بنحو 100 دولار، إلى نحو 500 دولار، فيما يعيش كثير من السكان في خيام وسط درجات حرارة مرتفعة، ويضطرون إلى استخدام وسائل بدائية للتخفيف من الحر، خصوصاً عن الأطفال.

ويقول سكان إن بعض التجار يعزون صعوبة إدخال المراوح إلى تصنيف الجيش الإسرائيلي لها ضمن السلع ذات الاستخدام المزدوج، ما يزيد من صعوبة الحصول عليها.

ويخلص تحقيق "أسوشيتد برس" إلى أن القيود المفروضة على دخول السلع واستمرار الحرب أسهما في نشوء اقتصاد موازٍ داخل قطاع غزة؛ فكلما تعذر إدخال سلعة عبر القنوات الرسمية، ارتفعت قيمتها في السوق السوداء، واتسعت شبكة الوسطاء والمستفيدين من تهريبها، بينما يتحمل المستهلك الفلسطيني في نهاية المطاف كلفة المخاطر والرشاوى والعمولات، ويدفع أضعاف الأسعار المعتادة للحصول على سلع أساسية.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية