آراء

أسماء البلاد ستبقى عربية

11 مشاهدة قراءة 9 دقيقة

الكاتب : عصام بكر


استوقفتني خلال الفترة الماضية مسألة في غاية الأهمية ربما كتب عنها سابقا عدد من الكتاب وأصحاب الرأي والمهتمين وتابعت اذا ما كانت تشبه الظاهرة وهل هي مقلقة؟ فوجدت عناصر واضحة فعلا تعتري الصورة بمعنى أنها موجودة وتتكرر وتتسع يتناقلها الناس للأسف أي أن مؤشرات أنها باتت ظاهرة موجودة واقصد هنا أسماء المناطق والشوارع والمفترقات والبوابات التي تقطع أوصال الأرض الفلسطينية. وللأسف مرة أخرى يتم تناقل مسميات بالعبرية حيث عملت الحكومات السابقة وحكومة الاحتلال الحالية بعد ان اطلقت (يهودا والسامرة) على الضفة الغربية، وحاولوا على مدار السنوات الماضية إحداث تغيير جوهري وملموس على الواقع . احدى أدوات ذلك أسماء القرى والبلدات الفلسطينية وهو أسلوب قديم جديد وربطها بمسميات يهودية قريبة منها في اطار محاولات تزييف الواقع وسرقة الدلالة التاريخية والحضارية للبلاد بهدف زرع معلومات متناقضة أو مغلوطة في ذهنية المتلقي مثلا بروقين قرية غرب سلفيت على أرضها أقيمت مستوطنة(بروخين)، عطارة شمال رام الله والبيرة مستوطنة (عطيرت) وغيرهما الكثير .
لكن اللافت هذه المرة هو استخدام أسماء الحواجز والشوارع . فمثلا يتناقل العديد من الأوساط والإعلاميين سهوا أو بغير قصد  ونشطاء على المواقع أن تم إغلاق طريق حلميش(مستوطنة) مع أن اسم الحاجز النبي صالح المقام على مدخل القرية الفلسطينية التي تحمل نفس الاسم الضاربة جذورها في التاريخ أو بوابة جريوت تم إغلاقها وهي الى الغرب من رام الله أقيمت على أراضي بيت عور القرية التي تربطها برام الله، وفي أحيان أخرى تسمع عن إغلاق حاجز زعترة أو عين يبرود أو الكونتينير وهي أسماء عربية معتادة لكن ما يجب التنبه له هو حشو بعض الأسماء العربية بين الكلمات العبرية التي قد تنطلي على البعض ويتم تمريرها ببطء جرعة جرعة الى أن تصبح دارجة ومستخدمة فعلا . مثلا من بين المرات التي نستخدم معبر قلنديا وهو ليس معبرا وإنما حاجز عسكري تم تركيب أنظمة مراقبة وبوابات وإجراءات أمنية لمنع الناس من الوصول للقدس وفصلها عن محيطها كما يقال عطروت او حاجز أخر(كراميلو) وهو شرق رام الله يفصلها عن أريحا يقع قرب قرية الطيبة الفلسطينية، وتتناقل وسائل الإعلام ذلك مستخدمة ذات الاسم "كراميلو". أقوم باستعراض بعض الأمثلة للدلالة على حجم التغلغل للأسف في الوعي دون ادراك لخطورة الأمر.
بكل الأحوال ما أريد قوله أن ذلك ما هو إلا محاولة لزرع مسميات لا تمت لأسماء البلاد الأصلية بصلة وان حملت حروفا مشابهة لها كأن يطالعنا الإعلام العبري بانه في منطقة بنيامين تم إغلاق الشارع 443 بسبب حادث سير هذا هو استلاب العقل وتجريده من محتواه وهو في الحقيقة محاولة لاستبدال ما هو موجود واستدخال كلمات أخرى بدلا منها أي تشويه الوعي الجمعي لدى الأجيال تماما مثلها مثل محاولات الحديث عن "الإرهاب" أو "المخربين" أو مصطلح معاداة السامية كلها تخدم نفس الهدف لكن تغيير الأسماء مع اعتداءات المستوطنين والتجريف، واقتلاع الأشجار وإحداث تغيير جوهري للجغرافيا والديمغرافيا تمثل خطورة نوعية تتكامل مع المراد من ذلك وهو سلب البلاد روحها وصورتها بحيث تصبح أسماء الشوارع والطرق دون ادراك تعج  بالأسماء العبرية . مثال أخر في سلفيت المجمع الصناعي الأكبر في الضفة منطقة بركان الصناعية اذا سألت احد في المنطقة ماذا تعمل؟ يرد بطريقة عفوية وعادية أو خجلا ربما اعمل في المصانع؟

الترويج لأسماء الأماكن هو جزء من سياسة ممنهجة للتلاعب في العقول للتعاطي مع ما يجري مستوحيا ذلك تماما من فكرة الإعلان التجاري أو الترويج للمنتجات التي يستمر تكرارها على الشاشات والإذاعات والمواقع ما يجعل اللسان يكررها دون قصد حتى لو لم نرغب بشراء المنتج أو لم نحبه لكنها مع الوقت تصبح جزءا من مادة الحديث في المجالس والبيوت والمناسبات وغيرها دون انتباه للوقوع في المحظور.
وللتذكير حكومة الاحتلال أعلنت انه لم يعد هناك مناطق ا وب و ج ضمن مسلسل تغيير شكل الضفة الغربية. مثلا في أحياء القدس استمرارا لمحاولات طمس المعالم تسمع هداسا عين كارم التي أقيمت على انقاض قرية دير ياسين أو العديد من الأحياء التي تقع في قائمة كبيرة جدا لكن مهما تبدلت الأسماء تحافظ على المكان والاسم احدى مكونات وعناصر حفظها في رفض محاولات (الاسرلة) . أن تجد في قلب الأحياء العبرية أشجار زيتون أو بيوت قديمة أو نقوش عربية على المباني المتبقية، وترى حقولا تزينها سلاسل حجرية ما زالت حتى اليوم تستعصي على تغييرها رغم مرور 78 عاما على النكبة في اطار استمرار حفظ الذاكرة ،فهنا تستمر حربا لا هوادة فيها لا على الأرض فحسب بل على التاريخ والثقافة ولا ينبغي لنا أن نستمر في قبول جريان المياه تحت أقدامنا.
الحواجز والبوابات هي مظهر احتلالي مهما اختلفت الألوان والأسماء تقطع الأرض وتمثل عقابا جماعيا بذريعة أو بدون ذريعة يلجأ الاحتلال لإغلاقها معلنا استمرار قلب الحقائق . مثلا إغلاق طريق الون مورييه - يتسهار او شيلو- بيت إيل هذا ليس صدفة هذا ما يحاولون زرعه في المنظومة الأمنية والإعلامية التي تتطابق تماما، ويتم دراسة ذلك بعناية كبيرة فهي تريد أن يصبح الجمهور الفلسطيني مستقبلا متقبلا لها في حين لا يتحدث عن وجود اكثر من 1000 بوابة أو حاجز عسكري، ولا عن منع الناس من المرور بشوارع ومناطق أصبح محرم تماما دخولها، غير المعاناة على الحواجز التي تمتد لساعات طويلة تصل الى اكثر من 10 ساعات أحيانا وباتت يومية ،في حين يقوم مستوطن واحد أو عدد قليل بحماية جيش الاحتلال بإغلاق مناطق واسعة دون اكتراث بحياة الناس من مرضى، كبار السن، ونساء وأطفال.
لا يجوز باي حال من الأحوال أن يتسلل لوعينا هدف تغيير الأسماء لان حفظ الاسم حماية للجذور الكنعانية الراسخة في مواجهة محو الذاكرة وفيها حماية لتاريخ طويل للهوية والمكان الذي لا يقبل الغرباء . هذه مسؤولية وزارة الثقافة والحكومة والجهات المختصة والتربية ومدراء المدارس والأهل وطبعا القوى السياسية والمؤسسات الأهلية، مسؤولية المحافظين والجامعات والمعاهد والمراكز الثقافية والشبابية للعمل من اجل حملات توعية وغرس معاني الوجود والانتماء على هذه الأرض التي مهما زيفوا أسماءها ستبقى فلسطينية زاخرة بالمعاني التي لا تقبل الذوبان .