الاخبار الرئيسية

السلام بالقوة والاحتلال: كيف تعيد إسرائيل تعريف الأمن في غزة ولبنان وسوريا ؟

65 مشاهدة
السلام بالقوة والاحتلال: كيف تعيد إسرائيل تعريف الأمن في غزة ولبنان وسوريا ؟

تل ابيب-واثق نيوز-وكالات-لا تكفّ إسرائيل عن تكريس واقع جديد في المنطقة، يقوم على معادلة تبدو واضحة في ممارساتها وتصريحات مسؤوليها: البقاء العسكري، وفرض السيطرة على الأرض، واستخدام القوة باعتبارها أدوات أساسية لتحقيق الأمن. وفي المقابل، يبدو الانسحاب والانسحاب الكامل من الأراضي التي تسيطر عليها خارج حسابات الحكومة الإسرائيلية الحالية، أو على الأقل مؤجلاً إلى أجل غير محدد.

وتجلّى ذلك بوضوح في تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خلال جولة ميدانية في جنوب لبنان في 12 أغسطس/آب 2026، حين أكد أن جيش الإحتلال لن ينسحب من المناطق والمواقع التي يسيطر عليها في لبنان وسوريا وقطاع غزة، متحدثاً عن بقاء طويل الأمد تحت عنوان إنشاء "مناطق أمنية عازلة".

ولا تبدو هذه التصريحات منفصلة عن المسار الذي اتبعته إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين جعلت من "حق الدفاع عن النفس" الإطار الرئيس لتبرير عملياتها العسكرية. ومن خلال هذا الخطاب، جرى تقديم عمليات القصف والتهجير وتدمير البنية التحتية وفرض القيود على وصول المياه والكهرباء والدواء بوصفها إجراءات أمنية مرتبطة بالحرب.

ومع مرور الوقت، اتسعت هذه المقاربة إلى جبهات أخرى، ولا سيما جنوب لبنان، حيث تشير تقارير وممارسات ميدانية إلى اعتماد سياسات تؤثر بصورة مباشرة في قدرة السكان على البقاء في المناطق المستهدفة، بما يفتح المجال أمام تحويل مفهوم "المنطقة العازلة" من إجراء أمني مؤقت إلى واقع جغرافي وسياسي دائم.

وهنا تبرز معادلة أوسع: الأمن الإسرائيلي لا يُعرَّف فقط من خلال حماية الحدود، وإنما من خلال إعادة تشكيل البيئة المحيطة بها، حتى لو تطلب ذلك إبعاد السكان، أو تدمير مناطق واسعة، أو إبقاء قوات عسكرية داخل أراضٍ خارج الحدود الإسرائيلية المعترف بها.

عقلية الحصار وذريعة الدفاع عن النفس ..
لفهم هذه السياسة، لا يكفي النظر إلى التطورات الحالية بمعزل عن التصورات التاريخية التي حكمت جزءاً مهماً من الفكر السياسي الإسرائيلي. فمنذ نشوء الدولة، برزت سردية ترى إسرائيل دولة صغيرة محاطة ببيئة معادية، وأن بقاءها يتطلب امتلاك تفوق عسكري دائم، واتخاذ إجراءات استباقية تحول دون تحول التهديدات المحتملة إلى أخطار فعلية.

وتستند هذه الرؤية كذلك إلى سردية الضحية، التي ارتبطت تاريخياً بتجربة الهولوكوست وما تركته من تأثير عميق في الوعي الإسرائيلي، إضافة إلى تقديم إسرائيل باعتبارها الدولة اليهودية الوحيدة، والدولة الديمقراطية القريبة من الغرب، والمهددة باستمرار من قوى معادية.

وفي ظل هذه السردية، يمكن إعادة تعريف مجموعة واسعة من الأفعال: العدوان يصبح دفاعاً، والاستباق يصبح ضرورة أمنية، والتدمير يتحول إلى وسيلة لإنشاء منطقة أمنية، والتهجير يصبح جزءاً من ترتيبات حماية الحدود.

وبعد السابع من أكتوبر، اكتسبت هذه المقاربة زخماً إضافياً. فقد ساهمت الصدمة التي أحدثها الهجوم في توفير مساحة واسعة للخطاب الإسرائيلي القائم على "الدفاع عن النفس"، وهو خطاب حظي في بداية الحرب بدعم سياسي وإعلامي غربي واسع.

لكن استمرار الحرب، واتساع نطاق الدمار والخسائر البشرية، وتزايد التقارير والانتقادات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، أدت تدريجياً إلى تحول في مواقف قطاعات من الرأي العام العالمي، ثم في مواقف بعض القوى السياسية والمؤسسات الرسمية.

ومع ذلك، لم يكن هذا التحول كافياً حتى الآن لفرض تغيير جوهري على السلوك الإسرائيلي، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو لبنان أو سوريا.

من الجدار الحديدي إلى المناطق العازلة ..
لا تتعامل إسرائيل مع فكرة الجدار باعتبارها مجرد حاجز مادي. فالجدار، بمعناه الأوسع، يمثل تصوراً أمنياً يقوم على الفصل والسيطرة ومنع التهديد قبل وصوله إلى الداخل الإسرائيلي.

ومن هنا يمكن العودة إلى مفهوم "الجدار الحديدي" الذي طرحه زئيف جابوتنسكي في عام 1923، والذي قام على فكرة أن التسوية مع العرب لن تكون ممكنة قبل امتلاك قوة عسكرية تجعل قبول الوجود اليهودي في فلسطين أمراً واقعاً لا يمكن تغييره.

وبغض النظر عن الاختلافات بين السياق التاريخي لذلك الطرح والواقع السياسي الراهن، فإن بعض عناصره لا تزال حاضرة في الخطاب السياسي الإسرائيلي، خصوصاً لدى اليمين القومي والديني المتطرف.

وتظهر هذه الرؤية بصورة أكثر وضوحاً في ما يعرف بـ"خطة الحسم" التي ارتبطت بوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، والتي تقوم على تصور "أرض إسرائيل الكاملة"، وعلى التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها صراعاً صفرياً حول السيادة والوجود.

وتقدم هذه الرؤية للفلسطينيين خيارات محدودة: التخلي عن المطالب القومية والعيش ضمن ترتيبات تفرضها إسرائيل، أو مغادرة البلاد، أو مواجهة القوة الإسرائيلية في حال رفض تلك الخيارات.

وفي الضفة الغربية، تتقاطع هذه الأفكار مع التوسع الاستيطاني وتصاعد عنف المستوطنين، فضلاً عن المواقف السياسية التي ترفض إقامة دولة فلسطينية.

وقد أكد بنيامين نتنياهو، في تصريحات خلال أغسطس/آب الجاري، رفضه إقامة دولة فلسطينية ما دام في منصب رئيس الوزراء، وهو موقف ينسجم مع مسار سياسي أوسع يرى أن قيام دولة فلسطينية يمثل تهديداً لمشروع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

وهكذا تتقاطع عقيدة "الجدار الحديدي" مع سياسات الحسم والتوسع الاستيطاني، لتنتج واقعاً تصبح فيه فرص التسوية السياسية أكثر صعوبة، فيما يتراجع الحديث عن حل الدولتين لصالح إدارة الصراع بالقوة وفرض وقائع جديدة على الأرض.

السلام تحت الاحتلال ..
المفارقة الأساسية أن إسرائيل والولايات المتحدة تواصلان استخدام مفردات مثل "السلام" و"الاستقرار" و"الأمن الإقليمي"، في وقت تتبنى فيه الحكومة الإسرائيلية سياسات عسكرية وميدانية قد تعمق أسباب الصراع بدلاً من معالجتها.

وقد ظهر ذلك في الموقف الأمريكي من استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان. فبعد تصريحات كاتس حول عدم الانسحاب من المواقع التي تسيطر عليها إسرائيل، أكدت واشنطن عدم اعتقادها بوجود أطماع إسرائيلية في لبنان، رغم أن نتنياهو كان قد أبلغ جنوداً إسرائيليين في الأراضي اللبنانية، في يونيو/حزيران 2026، أن إسرائيل لن تنسحب من الجنوب طالما ظل حزب الله يمثل تهديداً لها.

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بوجود قوات إسرائيلية في منطقة معينة، وإنما بمن يملك حق تعريف "التهديد" وتحديد المدة اللازمة لمواجهته.

فإذا كانت إسرائيل هي الطرف الذي يحدد طبيعة الخطر، ويقرر الإجراءات اللازمة للتعامل معه، ويحدد كذلك متى ينتهي هذا الخطر، فإن "المنطقة الأمنية المؤقتة" يمكن أن تتحول بسهولة إلى وجود عسكري مفتوح المدة.

وينطبق الأمر نفسه على غزة، حيث يستمر الجدل حول ترتيبات ما بعد الحرب، ودور حركة حماس، ومستقبل القطاع، والجهة التي ستتولى إدارة الأمن فيه.

وهكذا يصبح الانسحاب الإسرائيلي مرتبطاً بشروط إسرائيلية متغيرة، لا بجدول زمني واضح أو اتفاق سياسي نهائي.

الدعم الأمريكي وحدود الضغط ..
لا تتحرك إسرائيل في بيئة دولية تقتصر على الإدانة والضغط. فالولايات المتحدة ما زالت تمثل الركيزة الأساسية للعلاقة الاستراتيجية مع تل أبيب، رغم التباينات التي ظهرت أحياناً بين الطرفين بشأن بعض الملفات.

ويكتسب هذا الدعم أهمية أكبر في ظل الدور الأمريكي في صياغة الترتيبات الإقليمية، سواء المتعلقة بغزة أو لبنان أو سوريا، وكذلك في مشاريع التطبيع واتفاقيات السلام الإبراهيمية.

لكن المفارقة تكمن في أن الخطاب الأمريكي حول السلام والاستقرار قد يتعارض أحياناً مع سياسات اليمين الإسرائيلي الأكثر تطرفاً.

وقد برز ذلك في مواقف شخصيات مثل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي يرى أن أمن إسرائيل لا يمكن أن يعتمد على الاتفاقيات والضمانات، بل على القوة والقدرة على الردع.

وفي هذا السياق، تصبح المفاوضات والاتفاقيات مجرد أدوات مساعدة، بينما تظل القوة هي الضمان الحقيقي للأمن وفق هذا التصور.

وهذه الرؤية تفسر جانباً من الموقف الإسرائيلي تجاه غزة ولبنان وسوريا: فالاتفاق السياسي لا يعني بالضرورة الانسحاب، والتهدئة لا تعني إنهاء الوجود العسكري، والسلام لا يعني التخلي عن السيطرة على الأرض.

منطق واحد في غزة ولبنان وسوريا ..
عند النظر إلى الجبهات الثلاث مجتمعة، تبدو هناك ملامح مشتركة في المقاربة الإسرائيلية.

في غزة، برز مفهوم "الأمن" لتبرير العمليات العسكرية وإعادة تشكيل الواقع الميداني للقطاع.

وفي جنوب لبنان، يجري تقديم الوجود العسكري الإسرائيلي باعتباره ضرورة مرتبطة بمواجهة حزب الله ومنع التهديدات على الحدود.

وفي سوريا، يرتبط استمرار السيطرة على بعض المواقع والمناطق أيضاً بمفهوم منع المخاطر الأمنية قبل وصولها إلى إسرائيل.

القاسم المشترك بين هذه الملفات هو أن الأمن يتحول من هدف يفترض أن يؤدي إلى إنهاء الصراع إلى مبرر لاستمرار السيطرة العسكرية.

وهنا تكمن الإشكالية الأساسية: إذا كان تحقيق الأمن يتطلب السيطرة على الأرض، وإذا كانت السيطرة تحتاج إلى وجود عسكري دائم، فإن السلام يصبح نتيجة مؤجلة باستمرار، لأن شروط الوصول إليه تتغير كلما تغير تعريف "التهديد".

أي سلام تريده إسرائيل؟ ..
تكشف التطورات الممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا عن صعوبة العثور في السياسة الإسرائيلية الحالية على تصور للسلام يقوم على الانسحاب المتبادل، واحترام الاتفاقيات، وإنهاء السيطرة العسكرية.

في المقابل، يبرز تصور آخر يمكن وصفه بـ"السلام تحت الاحتلال": تهدئة تفرضها القوة، وأمن يتحقق عبر المناطق العازلة، وتفاوض لا يقود بالضرورة إلى دولة فلسطينية، واتفاقات لا تضمن بالضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي دخلتها.

وهذا التصور يعيد إنتاج الفكرة القديمة التي تقوم على أن القوة هي الطريق إلى الأمن، وأن السلام لا يأتي قبل إخضاع الخصم أو إقناعه بأن ميزان القوة لا يسمح له بتغيير الواقع المفروض عليه.

لكن هذه المعادلة تحمل تناقضاً جوهرياً: فالقوة قد تفرض هدوءاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج سلام مستدام.

فالسلام الذي يقوم على استمرار الاحتلال، أو على تهجير السكان، أو على فرض مناطق عازلة دائمة، يظل أقرب إلى إدارة الصراع منه إلى إنهائه.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل تريد إسرائيل السلام؟ وإنما: أي سلام تريده، وعلى أي أرض، وبأي شروط، ومن يدفع ثمنه؟

في ظل صعود اليمين الإسرائيلي وتزايد نفوذ الخطاب الذي يربط الأمن بالقوة والسيطرة، لا تبدو الإجابة قريبة. فالمشهد الراهن يشير إلى أن إسرائيل لا تزال تتحرك وفق معادلة تعتبر القوة شرطاً للسلام، بينما يرى خصومها أن استمرار القوة والاحتلال هو بالضبط ما يمنع الوصول إلى ذلك السلام.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية