ثقافة

سميح القاسم... حين يضيء الجليلُ من حنجرته

38 مشاهدة
سميح القاسم... حين يضيء الجليلُ من حنجرته
 
الشاعر: يوسف حنا
(في الذكرى الثانية عشرة لرحيله 19 آب/أغسطس 2014)
.
في الرّامةِ
كانَ للقصيدةِ بيتٌ
وللريحِ اسمٌ آخر.
وكانَ صبيٌّ
يمشي إلى المدرسةِ
وفي جيبهِ
حفنةٌ من ترابِ الجليل،
ولا يعرفُ أنَّ الترابَ
سيصيرُ يوماً
وطنًا يُكتَبُ بالحبرِ والدم.
سميح...
يا ابنَ الرامةِ
التي لم تكن قريةً
حين دخلتها القصيدة،
بل صارت
قصيدةً لها بيوتٌ
وعيونٌ
وكنيسةٌ
وجرسٌ
وشجرةُ زيتون
تتعلّم من الصخر
كيف لا تنحني.
يا من جعلتَ من الحرفِ
حصاناً لا يُسرَج،
ومن الصرخةِ
موسيقى،
ومن السجنِ
نافذةً تطلُّ على الأُفق.
قالوا:
هوميروسُ من الصحراء،
قيثارةُ فلسطين،
متنبّيها،
شاعرُ العربِ الأَكبر،
شاعرُ العروبة،
الشاعرُ القديس،
سيّدُ الأَبجدية،
ماردٌ في قمقم،
شاعرُ الغضب،
شاعرُ الملاحم،
شاعرُ المواقف،
وشاعرُ البناءِ الأوركسترالي...
وأَنا،
ابنُ البلدةِ التي عرفتْ
وقعَ خطاكَ على حجارتها،
لا أُريدُ أَن أُضيفَ لقباً
إِلى كتفِك.
أُريدُ فقط
أَن أَقول:
كانَ سميح
حين ضاقتِ البلادُ
يتّسع.
وكانَ حين أُغلقتِ الأَبوابُ
يفتحُ في اللغةِ
باباً آخر.
وكانَ حين حاولوا
أَن يجعلوا من فلسطين
قضيةً بلا صوت،
أعطاها حنجرة.
وحين حاولوا
أَن يجعلوا الفلسطينيَّ
مجردَ رقمٍ في دفترِ الغياب،
كتبَ اسمه
على جبهةِ الزمن
بقصيدة.
يا سميح،
أَنتَ لم تكن
شاعرَ المقاومة فقط؛
كنتَ مقاومةَ الشعر
حين يوشكُ الشعر
أَن يتحولَ إِلى زينة.
كنتَ تعرفُ
أَن القصيدةَ التي لا تُربكُ
الجلادَ قليلاً،
ولا توقظُ في المقهور
كرامةً نائمة،
يمكن أَن تكونَ
قصيدةً جميلة...
لكنّها ليست
ضرورة.
كنتَ تعرفُ
أَنَّ الكلمة
لا تصبحُ حرّةً
إِلا حين تدفعُ ثمنَ حريّتها.
لذلك
كنتَ تضعُ قلبَك
في فمِ القصيدة،
وتتركُ القصيدة
في فمِ النار.
يا ابنَ الرامة،
هل ما زالتِ
الطرقاتُ تحفظُ خطاك؟
هل ما زالَ
ذلك الجبلُ
ينصتُ إلى صوتك
حين كنتَ تقولُ للشعر:
لا تكنْ
زهرةً على نافذةٍ
لا يرى أَحدٌ
من خلفها
المذبحة.
كنْ نافذةً
ترى المذبحة
وتمنعُها من أَن تصبح
منظراً عادياً.
اثنا عشرَ عاماً
وأَنتَ لستَ غائباً.
الغائبون
هم الذين
لا يتركونَ فراغاً
حين يرحلون.
أَما أَنتَ
فكلّما مررنا
بشارعٍ وزقاقٍ في الرامة
وجدنا صوتكَ
يمشي قبلنا.
وكلّما هبّتِ الريح
من الجليل
سمعنا في حفيفها
شيئاً من غضبك.
وكلّما انحنتْ
سنابلُ القمح
تذكّرنا
أَن الانحناءَ أَحياناً
ليس خضوعاً؛
بل طريقةُ الحقل
في حملِ السماء.
يا سميح،
رحلتَ
لكنّكَ لم تدخلِ الغياب.
دخلتَ
في اللغة.
وهذه مرتبةٌ
لا يبلغها الموت.
فالشاعرُ
حين يموتُ
مرّةً واحدة،
تبدأُ قصيدتُه
بالموتِ أَلفَ مرّة
ثم تنجو.
وأَنتَ نجوت.
نجوتَ
من جسدِك
إِلى القصيدة،
ومن القصيدة
إِلى الذاكرة،
ومن الذاكرة
إِلى الرامة،
ومن الرامة
إِلى فلسطين،
ومن فلسطين
إِلى كلِّ قلبٍ
ما زال يرفضُ
أَن يتعوّدَ على الظلم.
لهذا
لا أَرثيك.
الرثاءُ
للذين انتهوا.
وأَنتَ
كلما قرأنا لكَ
خرجتَ من بين السطور
أَكثرَ شباباً
من الموت.
كأَنك تقول لنا:
لا تبحثوا عني
في المقبرة.
ابحثوا عني
في القصيدة
حين تقفُ وحدها
أَمام العالم
ولا تخاف.
ابحثوا عني
في طفلٍ
يحملُ حجراً
ولا يعرفُ بعد
أَن الحجرَ
يمكن أَن يكونَ
ذاكرة.
ابحثوا عني
في امرأةٍ
تفتحُ نافذتها
صباحاً
فتجدُ الوطن
لم يرحل.
ابحثوا عني
في الرامة،
حين يمرُّ المساءُ
على بيوتها
ويشعلُ في الجليل
مصباحاً من زيتون.
هناك...
حيثُ تركتَ
قلبكَ الأَول.
هناك
حيثُ لم تكنْ
بعدُ
سميحَ القاسم.
كنتَ فقط
صبيَّاً من الرامة
ينصتُ إِلى العالم...
فسمعَ الحجرَ
يتكلم.
ومنذ ذلك اليوم
لم يصمتْ.
سميح،
في ذكراك الثانية عشرة
لا نرفعُ لكَ شمعةً
كي نرى وجهك.
نرفعُ القصيدة
كي ترى هي
وجهَها فيك.
سلامٌ عليك
يا من جعلتَ
من الجليلِ
جملةً لا تنتهي،
ومن الرامة
علامةً في قلبِ الشعر،
ومن فلسطين
قصيدةً
كلّما ظنّوا أَنها انتهت
بدأَتْ من جديد.