محليات

  تقرير : من برك سليمان إلى الخليل.. السياحة الفلسطينية في معركة صون الأرض والذاكرة

75 مشاهدة قراءة 20 دقيقة

بيت لحمم -واثق نيوز-من برك سليمان في قرية أرطاس جنوب بيت لحم، إلى البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي في الخليل، تتجاوز السياحة الفلسطينية دورها التقليدي في التعريف بالمواقع الأثرية والدينية، لتغدو وسيلة لتعزيز الارتباط بالأرض وحماية الموروث الحضاري، في ظل تصاعد الاستيطان ومحاولات السيطرة على المواقع التاريخية وفرض روايات مغايرة لتاريخها.

وبين الكنائس والبلدات القديمة والمواقع الأثرية ومصانع الحرف التقليدية، تنقلت جولة سياحية في محافظتي بيت لحم والخليل، كاشفة عن تداخل السياحة مع قضايا الهوية والذاكرة والاقتصاد المحلي، وعن التحديات التي تواجه المواقع التراثية الفلسطينية في ظل القيود الإسرائيلية والمخططات الاستيطانية.

معركة الحفاظ على المكان ..
من بين الجبال المحيطة بقرية أرطاس، انطلقت الجولة من برك سليمان، أحد أبرز المواقع التاريخية في محافظة بيت لحم، والذي ارتبط افتتاح فعاليات اليوم العالمي للسياحة فيه برسالة تتجاوز الترويج السياحي إلى تأكيد الحضور الفلسطيني وحماية الذاكرة الوطنية.

ففي هذا الموقع، تختزن الحجارة والمنشآت المائية شواهد على تاريخ المكان، بينما تحيط به مخاوف من الأطماع الاستيطانية ومحاولات السيطرة الإسرائيلية على مواقع التراث الفلسطيني وإعادة تقديمها ضمن روايات تاريخية يهودية وتوراتية.

ومن برك سليمان، أطلق وزير السياحة والآثار، هاني الحايك، فعاليات اليوم العالمي للسياحة تحت شعار «ما أحلى بلدنا»، بحضور محافظ بيت لحم، محمد طه، ورئيس بلدية أرطاس، جميل ربايعة، ورئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة محافظة بيت لحم، سمير حزبون، ونائب رئيس بلدية بيت لحم، جريس قراعة، والأمين العام لكاريتاس القدس، أنطون أصفر، إلى جانب ممثلين عن القطاع السياحي وشخصيات رسمية ووطنية ومحلية وصحافيين ومؤثرين.

وشكّل اختيار برك سليمان نقطة انطلاق للفعاليات تأكيدًا على القيمة التاريخية والحضارية للموقع، وتسليطًا للضوء على المخاطر التي يتعرض لها بفعل سياسات الاحتلال والاستيطان ومحاولات وضع اليد عليه.

وقال الحايك لموقع «عرب 48» إن تكثيف الزيارات إلى المواقع الأثرية والسياحية لا يقتصر على تنشيط الحركة السياحية، بل يسهم أيضًا في تعزيز الحضور الفلسطيني فيها وحمايتها من أطماع المستوطنين.

من أرطاس إلى كنيسة المهد..  
عقب افتتاح الفعاليات، انطلقت الجولة في محافظة بيت لحم بإشراف الدليل السياحي رمزي سلسلع، وشملت مجموعة من المواقع الدينية والأثرية والثقافية التي تعكس تنوع الموروث الحضاري للمدينة ومحيطها.

بدأ المسار من دير الجنة المقفلة في أرطاس، قبل العودة إلى برك سليمان والمشاركة في فعاليات اليوم العالمي للسياحة، ثم التوجه إلى قصر المؤتمرات. وتواصلت الجولة إلى كنيسة القديس جاورجيوس في الخضر، فالبلدة القديمة في بيت لحم وكنيسة المهد وكنيسة حقل الرعاة، وصولًا إلى متحف وفندق «وولد أوف» للفنان العالمي بانكسي، المقام قبالة جدار الفصل.

وبين المواقع الأثرية والكنائس والمساجد والبلدات القديمة والمتاحف المعاصرة، بدت الجولة قراءة متعددة الأبعاد للمكان، تجمع بين التعريف بمعالمه التاريخية والتوقف عند التحديات التي تواجه الحفاظ عليها وضمان وصول الفلسطينيين إليها.

وفي هذا السياق، شدد الحايك على أهمية تعزيز التواصل بين أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وفلسطينيي الداخل، في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية التي تسعى إلى الفصل بينهم.

وأوضح أن وزارة السياحة والآثار تعمل على تكثيف الزيارات السياحية لفلسطينيي 48 إلى مختلف المحافظات الفلسطينية، بما يعزز التواصل والتعريف بالتاريخ والموروث الحضاري، ويدعم المدن والمرافق السياحية والاقتصادية، ولا سيما الفنادق.

من جهته، دعا محافظ بيت لحم، محمد طه، فلسطينيي 48 إلى زيارة المحافظة والتعرف إلى مواقعها السياحية والأثرية والدينية، مؤكدًا أهمية هذه الزيارات في دعم قطاع السياحة، الذي يواجه تحديات كبيرة في ظل تراجع الحركة السياحية.

حماية التراث في مواجهة الأطماع الاستيطانية ..
في أرطاس، تتجاوز أهمية برك سليمان قيمتها الأثرية، لتصبح جزءًا من معركة الحفاظ على الأرض والهوية الفلسطينية.

وقال رئيس بلدية أرطاس، جميل ربايعة،إن البلدية تعمل على حماية الموقع وتطويره سياحيًا واقتصاديًا، مستعرضًا قيمته التاريخية والحضارية والمشاريع التي نُفذت فيه، إلى جانب الخطط المستقبلية لتعزيز مكانته بوصفه موقعًا وطنيًا وسياحيًا وثقافيًا.

وأشار إلى التنسيق مع جهات حكومية، من بينها مجلس الوزراء وسلطة الأراضي، لتنفيذ مشاريع تطويرية وحماية الأراضي والمواقع التاريخية، بما يعزز الحضور الفلسطيني في الموقع.

لكن التحديات، بحسب ربايعة، لا تقتصر على التطوير السياحي؛ إذ تحدث عن أطماع المستوطنين واقتحاماتهم للموقع بحماية جيش الاحتلال، ومحاولات فرض تقسيم زماني ومكاني من خلال الاقتحامات وإغلاق برك سليمان أمام الفلسطينيين.

وحذر من مخططات إسرائيلية تهدف إلى ربط الموقع بالمشاريع الاستيطانية المحيطة به، بما قد يؤدي إلى تغيير طابعه التاريخي والجغرافي، معتبرًا أن تعزيز الحضور الرسمي والمؤسساتي فيه يمثل أحد المسارات الأساسية لحماية الإرث الوطني والثقافي.

وتحيط مستوطنة أفرات ببلدة أرطاس، وسط مخاوف من استهداف برك سليمان ضمن أطماع استيطانية تسعى إلى توسيع السيطرة على المنطقة.

من بيت لحم إلى الخليل..  
في اليوم التالي، انتقلت الجولة إلى محافظة الخليل بإشراف الدليل السياحي عبير الناظر، لتجمع بين المواقع التاريخية والدينية والحرف التقليدية والمنشآت الصناعية.

بدأت الجولة من البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، ثم انتقلت إلى شركة «رويال» الصناعية التجارية، ومصنع الزجاج والخزف والفخار، وصولًا إلى معرض «أكسبو الخليل».

وعلى خلاف الجولات التي تقتصر على زيارة المعالم التاريخية، أتاح هذا المسار التعرف إلى المدينة بوصفها نسيجًا متكاملًا من التراث والصناعة والتجارة والحياة اليومية.

فالتراث الفلسطيني لا يقتصر على المباني القديمة والمواقع الأثرية، بل يمتد إلى الحرف التي توارثها السكان عبر الأجيال، وإلى المصانع والمنتجات التي تشكل جزءًا من هوية المدينة ومقومات اقتصادها المحلي.

ويهدف البرنامج إلى التعريف بالمقومات السياحية والتراثية في بيت لحم والخليل، وتشجيع السياحة الداخلية، ودعم القطاع السياحي، وتعزيز معرفة الفلسطينيين بمواقعهم الأثرية والتاريخية.

آلاف المواقع الأثرية تحت التهديد ..
تأتي هذه الجولات في ظل مخاوف فلسطينية متزايدة من توسيع إسرائيل سيطرتها على المواقع الأثرية في الضفة الغربية المحتلة، ولا سيما في المناطق المصنفة «ج»، ونقل إدارة عدد منها إلى ما تسمى سلطة الآثار الإسرائيلية وجيش الاحتلال.

ويحذر فلسطينيون ومختصون من أن هذه الإجراءات لا تقتصر على إدارة المواقع، بل تمتد إلى التأثير في الرواية التاريخية المرتبطة بها، وإضعاف الصلة بين الفلسطينيين وتراثهم الحضاري.

وتشير تقديرات وزارة السياحة والآثار إلى وجود نحو 7 آلاف موقع أثري وديني وسياحي في الضفة الغربية المحتلة منذ عام 1967، بينها قرابة 3800 موقع في المناطق المصنفة «ج»، ونحو 1800 في مناطق «ب»، و1300 في مناطق «أ».

وتواجه المواقع الواقعة في المناطق «ج» و«ب» مخاطر تتعلق بالعزل والاستملاك الاستيطاني وإعاقة الوصول إليها، بما يحد من قدرة المؤسسات الفلسطينية على حمايتها وترميمها وتطويرها.

تحذيرات من تحويل التصنيف الأثري إلى أداة للمصادرة ..
في هذا السياق، حذر مدير عام السياحة والآثار في محافظة الخليل، جبر الرجوب، من تعرض آلاف المواقع الأثرية والدينية والسياحية لأوامر استملاك مماثلة، معتبرًا أن هذه الإجراءات تتيح السيطرة عليها وقطع الصلة بين الفلسطينيين والحضارات التي نشأت على أرضهم.

وقال الرجوب إن السلطة الفلسطينية تعمل على رصد موازنات لترميم المواقع الأثرية وصيانتها وتعزيز التواصل معها، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا منها يقع ضمن ملكيات خاصة، ما يستدعي جمع الوثائق والمستندات اللازمة لمواجهة الادعاءات الإسرائيلية.

وأضاف أن أكثر من 140 موقعًا أثريًا وخربة تاريخية في محافظة الخليل أُدرجت ضمن خرائط «الإدارة المدنية» باعتبارها مواقع أثرية إسرائيلية، إلى جانب تصنيف 1416 موقعًا أثريًا في المنطقة «ج» بالضفة الغربية.

ويرى الرجوب أن هذه الإجراءات تثير مخاوف من استخدام التصنيف الأثري ذريعة لمصادرة الأراضي وإعادة تشكيل هويتها، مشيرًا إلى التواصل مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» والمؤسسات الدولية المعنية بالتراث.

وأوضح أن الجهود تشمل أيضًا إعداد خطة حكومية على مسارين، داخلي وخارجي، لمواجهة هذه الإجراءات والحد من آثارها على المواقع التاريخية الفلسطينية.

من سبسطية إلى برك سليمان.. 
تعززت المخاوف الفلسطينية مع قرار أصدره جيش الاحتلال في 17 شباط/فبراير 2026، يقضي بوضع اليد على الموقع الأثري في سبسطية واستملَاكه بذريعة «المصلحة العامة»، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا إلى اتساع نطاق السيطرة الإسرائيلية على المواقع الأثرية الفلسطينية، بما قد يتجاوز مناطق «ج» إلى مناطق «ب».

ولا تقتصر التحديات على قرارات التصنيف والاستملاك؛ إذ تواجه طواقم وزارة السياحة والآثار الفلسطينية منعًا متكررًا من العمل في مناطق «ب» و«ج»، إلى جانب عرقلة عملها في مواقع أخرى، ما يحد من قدرتها على تنفيذ أعمال الحماية والترميم.

وفي ظل هذه القيود، تتزايد المخاوف من أن تتحول المواقع الأثرية إلى نقاط نفوذ استيطاني، بما يهدد الحفاظ على طابعها التاريخي ويقيد وصول الفلسطينيين إليها.

في مقابل التحركات الفلسطينية لتثبيت الحضور في برك سليمان، برزت مطالب إسرائيلية بإخضاع الموقع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

فبعد الفعالية الفلسطينية، طالب وزير التراث الإسرائيلي، عميحاي إلياهو، رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بطرح قرار حكومي يقضي بتطبيق القوانين والاختصاص القضائي والإداري الإسرائيلي على مجمع برك سليمان، ونقله إلى المسؤولية الإسرائيلية الكاملة.

واعتبر إلياهو أن الفعالية الفلسطينية ليست «فعالية سياحية بريئة»، رابطًا الموقع بمنظومة المياه القديمة التي كانت تنقل المياه إلى القدس، وبالرواية الإسرائيلية المتعلقة بـ«الهيكل» المزعوم، ومطالبًا بضمان السيطرة الإسرائيلية عليه.

وأشار الوزير الإسرائيلي إلى تخصيص وزارة التراث 10 ملايين شيكل لأعمال إنقاذ الموقع والحفاظ عليه، لكنه ربط ذلك بما وصفه بضرورة «فرض السيادة».

وتكشف هذه المطالب عن جانب أساس من الصراع على برك سليمان؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه المؤسسات الفلسطينية إلى حماية الموقع وتثبيت حضوره ضمن الذاكرة الوطنية، تطالب إسرائيل بإخضاعه لسيادتها وربطه بمنظومة المواقع التي تسعى إلى السيطرة عليها.

السياحة الداخلية..
لا تنفصل حماية المواقع التاريخية عن دعم المجتمعات المحلية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها. فمن برك سليمان إلى كنيسة المهد، ومن البلدة القديمة في بيت لحم إلى الحرم الإبراهيمي ومصانع الزجاج والخزف في الخليل، سعت الجولة إلى الجمع بين التعريف بالتراث وتشجيع السياحة الداخلية ودعم المؤسسات الاقتصادية المحلية.

ويرى رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة محافظة بيت لحم، سمير حزبون، أن المواقع الأثرية والدينية والتاريخية لا تزال حاضرة في الوعي الفلسطيني، وأن الوصول إليها والتعريف بها واستثمارها سياحيًا يمكن أن يسهم في حماية المكان وتعزيز الارتباط به.

ودعا حزبون فلسطينيي 48 إلى زيارة محافظة بيت لحم، مشيرًا إلى أن قطاعها السياحي تعرض لضربات متتالية منذ جائحة كورونا، انعكست على اقتصاد المحافظة.

وقال إن تنشيط السياحة الداخلية لا يقتصر على دعم قطاع أنهكته قيود الاحتلال والاستيطان وتراجع الحركة السياحية، بل يسهم أيضًا في تعزيز التواصل بين الفلسطينيين.

وأضاف أن برك سليمان تختصر جانبًا من هذه المعاني؛ فهي موقع تتداخل حوله الروايات التاريخية، وأرض تواجه ضغوط الاحتلال وأطماع المستوطنين، ومجتمع محلي يسعى إلى تطويره وحمايته، وقطاع سياحي يحاول تحويل الزيارات إلى نشاط اقتصادي يعزز حضور المكان في الذاكرة والحياة اليومية.

مقومات سياحية في مواجهة التحديات ..
تضم محافظة بيت لحم أكثر من 250 ألف فلسطيني موزعين على 45 تجمعًا، بينها ثلاثة مخيمات للاجئين. وبحسب المعطيات التي عرضها حزبون، تحاصر المحافظة 16 مستوطنة و16 بؤرة استيطانية يقطنها أكثر من 100 ألف مستوطن.

وعلى المستوى السياحي، تضم المحافظة أكثر من 6 آلاف غرفة فندقية، ونحو 90 محلًا للتحف الشرقية، و250 مشغلًا للصناعات المرتبطة بالزيتون والخزف، إلى جانب مئات المطاعم والمتنزهات.

وقال حزبون إن العمل يجري على الترويج لهذه المقومات من خلال رزم سياحية مخصصة لفلسطينيي الداخل وبأسعار تنافسية، إلى جانب توفير خدمات الإرشاد والمرافقة خلال الجولات والتسوق.

وتعكس هذه الجهود محاولة للاستفادة من المقومات التاريخية والثقافية للمحافظة في دعم اقتصادها المحلي، في وقت تواجه فيه المؤسسات السياحية تحديات ناجمة عن تراجع الحركة السياحية والقيود المرتبطة بالاحتلال والاستيطان.

السياحة .. حماية للتراث وإبقاء للذاكرة حية ..
من أرطاس إلى بيت لحم والخليل، لم تكن الجولة مجرد انتقال بين مواقع أثرية ودينية ومعالم سياحية، بل محاولة لربط التراث بالأرض والهوية والاقتصاد المحلي، وتسليط الضوء على التحديات التي تواجه المواقع الفلسطينية في ظل محاولات السيطرة عليها.

فزيارة المواقع التاريخية والتعريف بها لا يقتصران على تنشيط السياحة، بل يعززان حضورها في الوعي العام، ويدعمان المجتمعات المحيطة بها، ويسهمان في إبقاء الرواية الفلسطينية حاضرة أمام محاولات طمسها أو إعادة تشكيلها.

وبين السعي إلى تطوير المواقع السياحية والمخاوف من الاستيطان والاستملاك، تبرز السياحة الداخلية باعتبارها إحدى الوسائل المتاحة لتعزيز ارتباط الفلسطينيين بتراثهم، ودعم اقتصادهم المحلي، والحفاظ على حضورهم في أماكن تحمل شواهد تاريخهم وذاكرتهم.