محليات

آلاف الغزيين مهددون بفقدان البصر.. العدسات الطبية عالقة خارج القطاع

47 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

غزة-واثق نيوز-تُحكم زهيرة السموني (77 عامًا) قبضتها على يد نجلها علاء، بينما تخطو ببطء وحذر فوق أرضية شقتها التي باتت بفعل القصف الإسرائيلي تشبه شارعًا مزدحمًا بالحفر، خشية السقوط مجددًا.

وتقول: "زمان كنت أشوف البني آدم طوله وعرضه ووجهه، الآن بشوفه خيال"، محاولة تلخيص حالتها البصرية بعدما اجتاحت المياه البيضاء عينيها.

ترتدي زهيرة عباءة خضراء تتوسطها ورود بيضاء وحمراء، لكنها لا تستطيع تمييزها. وحتى شجيرات الريحان على حافة الشقة لا تراها سوى تداخل من اللون الأخضر.

ولا تعاني السموني وحدها، إذ ينتظر أكثر من 7 آلاف مريض إجراء عمليات المياه البيضاء في مستشفى سان جون، فضلًا عن نحو 3 آلاف حالة في مستشفى النصر بغزة، وفقًا لمديري المستشفيين.

يرجح فادي العجلة، القائم بأعمال مدير مستشفى سان جون، أن يكون العدد الفعلي لحالات المياه البيضاء ثلاثة أضعاف ما هو معروف، بسبب صعوبة وصول المرضى إلى المستشفيات.

تعود زهيرة بذاكرتها إلى بداية معاناتها، حين أخبرها طبيب بإصابتها بالمياه البيضاء، وأن عليها الانتظار حتى "تستوي".

تقول: "قبل ما يجي موعد العملية، انكسرت رجلي. كنت بدي أفوت محل بشارع عمر المختار، وكان عنده درجات ما شافتهم عيوني، وقعت وانكسرت".

خرجت زهيرة من منزلها في حي تل الهوا محمولة على كرسي بلاستيكي بعد قصف أجزائه العلوية. نُقلت أولاً إلى مستشفى القدس للعلاج، ثم توجهت مع النازحين إلى رفح، تجر قدمها المكسورة، وتتحسس الطريق المزدحم بقوافل النازحين.

هناك بدأت تشعر بأن المياه البيضاء تتسلل إلى عينها الثانية، وباتت تخشى من فقدان البصر. تقول: "بدأت أبحث عن مستشفى، لكن الجميع كان يقول لي: ما في حد بيعمل عمليات".

بعد أكثر من عام بقليل، أخبر الطبيب زهيرة أن بإمكانها إجراء العملية إذا وفرت العدسات، ردت زهيرة على الطبيب: "شو هي العدسات؟ ومن وين بدي أجيبهم؟"، فأخبرها بأنه يمكن توفيرها عبر المسافرين العائدين لغزة.

تتساءل زهيرة: "حتى لو وجدت العدسات، مين بده يرضى يحملهم ويبهدل حاله علشان يجيبهم على غزة؟".

ومع حلول الظلام، تتضاعف معاناة زهيرة، إذ ارتطمت مؤخرًا بعامود خرساني ظنته باب دورة المياه، ومنذ ذلك الحين، تخشى النهوض ليلًا، تقسم: "والله يا ابني بخاف أقوم من الفراش، وما بصدق يطلع النهار".

الآلاف فقدوا بصرهم بالفعل ..

فقدان البصر الذي تخشاه زهيرة أصبح واقعًا بالنسبة إلى أكثر من ثلاثة آلاف شخص، وفقًا لمدير مستشفى النصر للعيون حسام داوود. فيما يهدد المصير ذاته أربعة آلاف آخرين، بحسب بيان لوزارة الصحة في أيار/مايو 2025.

ويؤكد داوود أن الأرقام أكبر مما هو معلن بسبب عدم وصول الكثيرين إلى المستشفى خلال الحرب.

جمال حديدو (80 عامًا) واحدٌ من هؤلاء المهددين بفقدان بصرهم. وهو، مثل زهيرة، يمنعه الخوف من السقوط من التحرك ليلًا. يقول: "بخاف أتحرك، أنا الهوا بوقعني".

أسفل عمارة يعلوها الركام، طبقة فوق أخرى، يجلس حديدو على سرير خشبي، تظهر خلف إحدى زواياه زجاجة بلاستيكية يستخدمها لقضاء حاجته، ويقف أمامه جهاز المشي كإطار يحيط به.

"عندي مية بيضاء في العينتين وما بشوفش بالمرة"، يقول حديدو، النازح من حي التفاح، ثم يضيف: "وقعت وانكسر الحوض عندي وبقدرش أمشي ولا أروح ولا أجي".

تقول ابنته ياسمين (35 عامًا) إنها وضعت وعاءً بجوار رأسه كي لا يضطر إلى الذهاب للحمام، لكن العائلة استيقظت على صوت ارتطامه بالأرض.

نُقل حديدو إلى مستشفى الشفاء، حيث خضع لعملية تركيب مفصل وبقي 20 يومًا على سرير المرض.

وسبق أن سقط حديدو أثناء ذهابه إلى الحمام البعيد عن خيمته أثناء نزوحه إلى دير البلح. يقول: "وأنا ماشي على الحمام في الليل، في عتبة مش شايفها، إلا وأنا واقع على جنبي".

مؤخرًا، راجع حديدو الذي يعاني أيضًا من الضغط والسكري المستشفى للسؤال عن العملية، فأخبره الطبيب بضرورة إحضار عدسات، ليرد عليه فاتحًا كفيه: "أنا من وين أجيب عدسات؟".

وعندما سألناه عمن يساعده، أجابت زوجته سميرة، الجالسة على الأرض تتابع حديثنا: "ابني اللي كان بيعرفله استشهد"، قبل أن تمسح دموعها بطرف منديلها البني المورد بالأبيض.

عملية سهلة لولا الاحتلال ..

يقول فادي العجلة، القائم بأعمال مدير مستشفى سان جون للعيون، إن عملية المياه البيضاء بسيطة نسبيًا، إذ تُشفط العدسة المعتمة وتُزرع عدسة صناعية مكانها، ولا تستغرق عادة عشر دقائق، ويمكن أن يستعيد المريض حدة إبصاره إلى درجة 6/6 إذا كانت الشبكية والعصب البصري بحالة جيدة.

ويشير العجلة إلى وجود شحنات من العدسات والأجهزة والمستهلكات الطبية في القدس منذ عام ونصف، غير أنها لم تدخل غزة بسبب إغلاق المعابر، مضيفًا أن وصولها سيتيح للمستشفى استعادة جزء كبير من قدرته على إجراء العمليات.

أما مستشفى النصر فاستأنف العمليات جزئيًا، بحسب مديره حسام داوود، لكن نقص العدسات يجعل الخدمة مقتصرة على المرضى الذين تتوفر لهم المقاسات.

ويشير إلى أن المقاسات الموجودة حاليًا هي الأقل شيوعًا، بينما يعاني المستشفى نقصًا حادًا في المقاسات الأكثر استخدامًا، التي تتراوح بين 18 و23، محذرًا من نفاد المخزون وتوقف عمليات المياه البيضاء في المستشفى، الذي يُعد الجهة الوحيدة التي تقدم هذه الخدمة في غزة.