محليات

حين هاتفني رأفت القدرة من قرارة خانيونس 

31 مشاهدة قراءة 10 دقيقة

الكاتب : تحسين يقين
-    عارف مين معك؟
-    ولو من صوتك عرفت، رغم تغييرك رقم التلفون!
-    تحسين أنت أخي وصديقي!
-    ...................
-    قل ذلك على لساني.
-    متفقان نحن في الرؤية.
-    اكتب..
كان ذلك في آخر عام 1988، أو لعله في الفاتح من عام 1989، بضعة أيام لا تفرق كثيرا في التوثيق، حين رأيته أول مرة. مضت 37 عاما، لذلك فمن الطبيعيّ أن أنسى التفاصيل، لكن الظنّ أن زميلة مصريّة حين رأتني قادما الى كلية الآداب آخر أيام الفصل الأول شجعتني على الاستعانة من طلبة فلسطينيين، فكان رأفت فارع الطول جادا شهما، وسريعا تعارفنا، ولما كان الفصل الأول قد قارب على الانتهاء، وأعرف مسبقا أن نظام الجامعات هنا نظام سنويّ، فقد طلبت أمرا واحدا وهو اقتناء كتب قسم الأدب العربيّ الذي اخترته، كوني قد تم قبولي بكلية الآداب. كنت وقتها أريد دراسة الأدب الإنجليزي، لكن مقالا قرأته في مصر في تلك الأيام لطه حسين يذكر فيه أن على طلبة الجامعات بفرنسا الراغبين بدراسة الآداب الأجنبية، أن يدرسوا في البدء الأدب الفرنسيّ. كنت أعظّم د. طه حسين، فأخذت برأيه، وقد كنت فتى أحسب أن الأيام مفتوحة أمامي لأدرس بعدها الأدب الإنجليزيّ الذي كنت أميل له وأحبّه.
قادني رأفت إلى أمان شراء "مذكرات" قسم اللغة العربية، فاشتريتها ما عدا واحدا لم يكن قد نزل بعد. كان رأفت متّزنا، وكنت مثله، كان طويلا ومنت "مربوعا"، لكن بالنسبة له كنت قصيرا، دعاني بعدها إلى شقتهم قرب الكلية، شارع عثمان محمد، وصحح طالب آخر نطقي من عسمان إلى عصمان، تناولنا السلطة الغزاوية، وكانت لذيذة، كان يستأجرها مع زميلين هاشم الفرا وكان معنا في "الدفعة"، ويحيى الشمالي، طالب التاريخ أو الجغرافيا، كنت أكثر طولا منه، ما خفّف عني فرق الطول مع رأفت وهاشم.
كانت انتفاضة الحجارة عام 1987 قد خلخلت اتجاهاتنا، فقد بدأنا قريبين من حركة الشبيبة، الذراع الطلابية لحركة فتح، ثم اتجهنا يسارا ويمينا، فترة قصيرة، لأسباب منها، إثبات الذات، فقد كان للتيارين مجالا للتحرك أوائل الثمانينيات؛ فمع انطلاق الانتفاضة وجدنا أنفسنا قريبين من الخط الوطني الذي صار يسود الشارع، وإن لم ندخل التنظيم، فقد صرنا أكثر اقتناعا بحركة فتح. بهذه الروح السياسية الوطنية التقيت رأفت بشكل خاص، ولكن لم يكن هناك أيّ مجال للحركة الطّلابية. كنت بلهجة بيت دقو، ورأفت بلهجة القرارة، قريبة من لهجة غزة، التي تتضمن مفردات مصرية، مثل "كده"، لأكتشف أن "كده" لهجة غزاوية وبدويّة أيضا بتسكين الكاف، وهكذا يوما وراء يوم  تبادلنا الزيارة، وتبادلنا الطعام، فأصبحنا نعمل "المقلوبة" قريبة من "مقلوبة" غزة، ثم ليقيم رأفت معنا آخر أسهر له في مصر. لقد تميّز رأفت القدرة طالب الأدب العربي بالالتزام الوطني، وأشهد أنه كان الأكثر وعيا على معنى الوطنية الفلسطينية. كنت ورأفت منذ عام 1989 مؤمنين بأنه ستقوم الدولة الفلسطينية، ما دفعني لتشجيع الطلبة القادمين إلينا لدراسة الإعلام، أما رأفت فقد كان وهو تحت العشرين، يتعامل مع فلسطين الدولة القادمة لا محالة، والحقّ أن إيمانه بقرب إقامة الدولة قد أثّر عليّ، كان ذلك قبل مؤتمر مدريد، أما حين عقد المؤتمر، فقد جلسنا نتابع الجلسة الافتتاحية آخر أكتوبر 1991، وقتها قال لي: اقتربت الدولة يا صاحبي! وما زلت أتذكر تفاؤله وابتسامته العريضة، والغريب أنه علّق على تشكيل الوفود قائلا: هذه شكليات غدا ترى منظمة التحرير هي من تقود العملية السياسية. كانت فطرة رأفت وإيمانه بالمنظمة وحركة فتح كبيرا. بعد عام 1992، سنة التخرّج، اتجهت للتعليم، ثم مع تأسيس السلطة الوطنية عملت في الإعلام المكتوب، في حين التحق رأفت بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، لنصبح بعد سنوات قيادات في التربية والتعليم والإعلام، حيث أصبح مدير الهيئة بغزة. وكثيرا ما شجعته على كتابة المقالات، لكنه يبدو لم بجد مجالا للكتابة، كونه كان محررا في التلفزيون إضافة لعمل مقابلات تلفزيونية. 
أما المهمّ هنا، فقد كنا كغيرنا ممن قدّر وجود السلطة الوطنية ككيان وطنيّ على طريق الدولة، وكم تحدثنا عن بدايات الحركة الوطنية في "قطاع غزة"؛ فبالرغم من حداثة سنّه فقد كان لديه علم حول نشوء الحركة الوطنية في الخمسينيات.
لذلك، فحين هاتفته في أكتوبر 2023، فقد لفت نظري تخوّفه على المشروع الوطنيّ، فصرنا نتحدث عن الهمّ الوطنيّ والشخصيّ معا، وأشهد أنه لم يكن منفعلا حين أخبرني عن قصف بيتهم ذي الأربع طبقات بصاروخ نفذ في أسقف العمارة وأحالها الى جحيم. صارت القرارة شمال خانيونس مدمرة في معظمها، فقد سوّى جيش الاحتلال الإسرائيلي ما بين 90% إلى 95% من مبانيها السكنية بالأرض، إلى جانب التدمير الشامل والممنهج للبنية التحتية، من شبكات المياه، والمرافق الخدمية، والمباني العامة، والخاصة. وبالطبع واجه السكان الذين يحاولون العودة إلى مناطقهم بعد فترات النزوح تدميراً كاملاً لشبكات الآبار العذبة والسهول والأراضي الزراعية الشاسعة التي كانت تميز البلدة وتعدّ مصدر رزق رئيس لها، مما يترك العائدين دون أدنى مقومات الحياة الأساسية.
ونظراً لموقع بلدة القرارة الجغرافيّ الحدودي (غرب موقع كوسوفيم العسكري)، فإنّ مساحات واسعة منها تقع ضمن دائرة الاستهداف المباشر والتوغلات. ولا تزال الآليات العسكرية المتمركزة في المناطق الشرقية تمارس إطلاق النار بشكل متكرر باتجاه خيام ومنازل المواطنين، ما يجعل أجزاءً واسعة منها غير آمنة.
علمنا أن لجان بلدية القرارة تحاول بجهود محلية محدودة جداً وتنسيقات إغاثية إعادة مدّ وإصلاح ما يمكن من خطوط المياه المؤقتة وتسيير بعض الخدمات الأساسية للمواطنين والنازحين المقيمين في خيام على الأنقاض، بالرغم من شح الإمكانيات والقيود الأمنية المستمرة.
 أتذكّر كم تحدثنا ونحن طلاب بمصر عن الزراعة في ريف القدس، والقرارة، وكنا دوما نصف لبعضنا بعضا ما ننتج من خضار وفاكهة، وكان رأفت دوما يأمل أن نلتقي في القدس وغزة، كان يأمل بزيارة القدس، ولم يتسن له زيارتها إلا حين أجرى عملية جراحية في مستشفى المقاصد، ليغامر ويهبط من الطور الى البلدة القديمة.
-    اكتب على لساني بأن تحافظوا في الضفة على ما بين أيديكم مهما كان محدودا، قل يا صديقي لشعبنا هناك بأن يحافظوا على وحدتهم، وألا يتأثروا بمن يريد لمشروعنا الوطني بالانتهاء. قل لأهلنا على لساني، بأن يحافظ كل واحد منهم على ما بين أيديه، ويقوم بالمسؤولية الملقاة عليه.
-    حاضر يا صديقي..
عاد بي رأفت القدرة الممتلئ رأسه شيبا الى مقاعد الدراسة في كلية الآداب بمصر، الى نبوءته بقيام دولتنا. إن مدريد محطة يا صاحبي للدولة فقط اصبر قليلا، وإن السلطة محطة للدولة. وأختتم بأن الوعي الوطني هو ضمانة مشروعنا، أمس واليوم وغدا.