آراء

من لغة الملف إلى لغة الجرح: كيف تكتب مأساة الأسرى الفلسطينيين

7 مشاهدة قراءة 9 دقيقة

الكاتب : عيسى قراقع
لفت انتباهي بحثٌ للباحثة والناشطة أماني سراحنة، منشور في مجلة الجنوب الفلسطينية للدراسات التحررية، في عددها السادس، بعنوان: «فقدان اللغة في بنية العنف: السجن بوصفه نموذجًا». وقد تطرقت فيه إلى دور اللغة القانونية في توصيف الجرائم، واستخدامها أحيانًا للتستر عليها أو تحويرها بتقنية متعمدة تخدم الأهداف الاستعمارية، وتفرغها من صوت الضحية بوصفه صوتًا للعدالة والمقاومة.
عززت ورقة سراحنة من اعتقادي بأن اللغة القانونية التي تستخدمها مؤسسات حقوق الإنسان في وصف أوضاع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي ما زالت نمطية وفقيرة، وغير قادرة على تقديم توصيف معرفي بحجم الكارثة الإنسانية التي يتعرض لها الأسرى بعد السابع من أكتوبر 2023، وخلال الحرب على غزة. فلم أجد في تقارير الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، وحتى في تقارير مؤسسات حقوقية عديدة، أي إشارة إلى أن ما يحدث من فظائع في السجون هو إبادة لفئة محمية، ترافقت مع الإبادة الجماعية في غزة.
تكشف الشهادات والوقائع داخل السجون أن ما يجري على أجساد الأسرى وأرواحهم أكبر من مجرد جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو انتهاكات تعسفية، كما تصفها التقارير الحقوقية؛ إنها إبادة، وبنوايا تدميرية متعمدة من قبل حكومة إسرائيل.
وإذا ما عدنا إلى تعريف الإبادة الجماعية في القانون الدولي، نجد أنها لا تشترط القتل الجماعي الفوري، وإنما تشمل، إضافة إلى القتل، إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بفئة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، وإخضاع الجماعة عمدًا لظروف معينة يُقصد بها إهلاكها ماديًا، كليًا أو جزئيًا. والموت البطيء، والإعدامات، والتعذيب المميت، والتجويع، والاغتصاب والاعتداءات الجنسية، والإخفاء القسري، وعدم تقديم العلاج، وحجز الأسرى في ظروف جهنمية وقهرية، كل هذا وغيره يعتبر شكلًا من أشكال الإبادة، بل من أشد وأقسى أنواع الإبادة؛ لأنها تجري بصمت خلف الجدران، ولأنها تستهدف أسرى عزلًا ليسوا في ساحة حرب، ومحميين وفق قواعد القانون الدولي.
والباحثة سراحنة، وهي تقرأ شهادات مخيفة ومرعبة لأسرى تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب السادي والانتقامي في السجون والمعسكرات، تتساءل عن أسباب عدم قدرة اللغة المستخدمة على استيعاب معاناة الأسرى وكشف حقيقة العنف وكسره بلغة قانونية تحررية وفعل مقاومة.
ربما لأن هذه اللغة وُلدت أساسًا من رحم الإمبريالية والقوى الاستعمارية التي وضعت القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وهي لغة ليست محايدة، بل هي نتاج تاريخي ارتبط بالمشروع الاستعماري الأوروبي والهيمنة الغربية. ولعل مفردات معجم حقوق الإنسان قد وُلدت من تجربة الضحية الأوروبية، ولم تُصمَّم أساسًا لاستيعاب معاناة الشعوب المستعمَرة.
لم تقتصر الجرائم على الجسد، بل امتدت إلى اللغة نفسها كأداة للإخفاء؛ فالجريمة موجودة، ولكن اللغة القانونية المتداولة عاجزة عن تسميتها بما تستحق.
فبينما توصف المحرقة بأنها إبادة جماعية ومحاولة لإفناء شعب كامل، توصف الجرائم بحق الأسرى بإهمال طبي، وسوء معاملة، وإفراط في العنف، واعتقال إداري، و«مقاتل غير قانوني»، وظروف احتجاز قاسية، وكأن اللغة نفسها قد أُفرغت من قدرتها على الإدانة.
وقد أشارت التقارير إلى أن نظام العقوبة في إسرائيل لم يعد نظامًا، وإنما اجتياح عنفي همجي ونازي بلا حدود، يستدعي خطاب الاستثنائية اليهودية بشكل عنصري، الذي يمنح الضحية اليهودية موقعًا أخلاقيًا فريدًا، بينما تترك الضحية الفلسطينية في منطقة رمادية لغوية لا تصل إلى مرتبة الإنسانية الكاملة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الجريمة نفسها قد تكون أكثر وحشية، لكنها لا تجد في اللغة المتاحة ما يفي بها. فالاغتصاب بالأدوات والكلاب المدربة، والتجويع والضرب والتكسير، والموت في معسكرات تعذيب موثقة، كل هذه الجرائم لا تزال توصف بلغة خشبية وإحصائية تخفي قصص الضحايا وأسماءهم ومعاناتهم، وكأني أراها تبني سجونًا جديدة من الكلمات.
قد يُغلق باب الزنزانة بالمفتاح، وقد يُقيّد الجسد بالسلاسل، لكن ثمة قيدًا آخر أقل ظهورًا: أن يُسلب الإنسان حقه في الرواية، وأن يُعاد تعريفه وهندسته وترتيبه داخل لغة الجلاد.
لغة القانون الدولي المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين هي لغة صراع؛ هي إدارية أكثر منها تحررية، تكرّس السيطرة وتدير الأزمة بدلًا من حلها. ولهذا، أمام الإبادة المستمرة في غزة والسجون، وعدم وجود لغة وكلمات تصف هول الممارسات الوحشية الإسرائيلية، قلبت فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، الطاولة على قاموس لغة القانون الدولي، عندما قدمت نقدًا جريئًا لما أسمته استبداد النظام الليبرالي الدولي المبني على الاستعمار والعنصرية، موضحة أن خطاب حقوق الإنسان غالبًا ما يكون قناعًا يخفي هيمنة القوى الكبرى، ودعت إلى كتابة قانون دولي تحرري يتجاوز البنية الليبرالية القائمة.
إن أخطر ما تفعله اللغة الحقوقية حين تنفصل عن سياق الاستعمار والاحتلال ليس أنها تنكر معاناة الأسير، بل إنها تعيد تعريفه: من مقاوم في حركة تحرر وطني إلى موضوع للإدارة والحماية، ومن أسير في سياق صراع من أجل الحرية وحق تقرير المصير إلى معتقل داخل نظام أمني وملف.
وبذلك تختزل القضية من سؤال: لماذا يقاوم الإنسان؟ إلى سؤال: كيف ينبغي أن يُحتجز؟ ومن سؤال شرعية الاحتلال وبنية السيطرة إلى سؤال شروط الاحتجاز.
إذا تماهت اللغة القانونية مع لغة السجن ودخلت في أبجدياته، فإنها تصنع قيودًا جديدة تهدر أعمار آلاف الأسرى بين الحديد وجدران الإسمنت، بين المنفى والغياب.
وكما قال الأسير ناصر أبو سرور: «كان أقسى ما في السجن تجريدي من لغتي؛ غابت عن لغة السجن كل أفعال الحياة، لغة حبستني في جسدي ونزعت عن سلوكي اللغوي كل أفعال الهوية، حتى صرت بلا ذات وبلا حضور، لغة أضافت على المكان والزمان صفة اللانهائية».
أتفق مع سراحنة في أن اللغة هي بنية معرفية وأخلاقية، وجزء أساس من السردية والذاكرة والإدراك الجمعي وإنتاج الحقيقة. وهذا ما تفتقده اللغة القانونية السائدة: لغة إدارية في قوالب باردة، لغة ضبط، تحول حياة الإنسان إلى حياة عارية قابلة للتصرف والاستثناء، تخفي إنسانية الضحية وتعيد تشكيلها معرفيًا بحيث تصبح غير مرئية.
وهذا ما يستدعي تطوير لغة قانونية بديلة تعيد الاعتبار إلى الإنسان الفلسطيني وكرامته. وهنا تكون المسؤولية الأكاديمية والأخلاقية في تفكيك هذه اللغة وكشف بنيتها الاستعمارية.