ثقافة

يوسف حنا : حين تتحول الأسئلة إلى شعر

49 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

 الكاتب : الشاعر محمد العداربة الاردن / عمان
الشاعر والدكتور يوسف حنا، شاعر من شعراء الداخل الفلسطيني، من مدينة الناصرة، يكتب بأسلوب إبداعي خاص؛ قصائده مكثفة، ولغته الشعرية شفيفة، ويتوغل في أغوار النفس الإنسانية، محولًا الحزن إلى وعي، والقلق إلى نافذة تطل على احتمالات الأمل.
نصه مفتوح، غني بالدلالة، كثير الماء، تتجاور فيه طبقات المعنى دون أن تغلق إحداها الطريق أمام الأخرى. ولعل سر قوة النص عنده أنه لا ينص على الحقيقة، بل يصنع حقيقته الخاصة؛ فهو لا يقدم لنا الأشياء كما هي، وإنما يعيد تشكيلها داخل اللغة، بحيث يصبح الشعر وسيلة لاكتشاف العالم، لا مجرد وصف له.
يخيم القلق على نصوص يوسف حنا، لكنه ليس قلقًا ساكنًا أو معتمًا؛ إنه قلق يتحول تدريجيًا إلى بقعة ضوء في كهوف الرؤى الشاسعة. ومن هنا تأتي خصوصية تجربته: فالحزن عنده لا ينتهي إلى العدم، بل يتحول إلى معرفة، والغياب لا يعني انطفاء الأثر، بل بداية أخرى للوجود في الذاكرة واللغة.
ويوسف حنا ليس شاعرًا فحسب، بل هو أيضًا ناقد يمتلك ذائقة نقدية مرهفة، ووعيًا جماليًا يتسع لعوالم الفن المختلفة. ولعل هذه الحساسية النقدية تظهر داخل نصه نفسه؛ ففي كتابته عينٌ لا تكتفي بالنظر إلى الأشياء، وإنما تبحث عن ما وراءها، وعن ذلك الخفي الذي يمنحها معناها.
يقول:
«أولد لا من رحم، بل من سؤال ظل حيًا حين ماتت كل الإجابات.»
هذه الجملة النثرية العميقة تختصر جانبًا مهمًا من فلسفة الكتابة عنده. إنه ينفي الولادة بوصفها بداية بيولوجية مكتملة، ويجعل البداية الحقيقية سؤالًا. لكن أي سؤال؟
أهو سؤال الأرق الوجودي؟ أم سؤال التحول المستمر في كنه الأشياء؟ أم السؤال الذي يتركه الزمن في الإنسان حين يكتشف أن ما ظنه ثابتًا ليس سوى عابر آخر؟
ربما كل ذلك معًا.
فالنص عند يوسف حنا يبدو كأنه حقل لتجارب الزمن والذاكرة والمكان؛ وكل سؤال فيه يفتح سؤالًا آخر، حتى يصبح الشعر محاولة للإقامة داخل السؤال، لا الوصول إلى إجابة نهائية.
وفي نصه الذي يرثي فيه الشاعر والمفكر مصطفى السبيتي، يكتب بإيقاع نثري جميل:
«كان الجنوب يعرف صوته
كان يخرج من كفر صير
وفي جيبه أسماء القرى
ووجوه الناس والطرقات التي حفظت وقع أقدامهم
والحكايات التي نامت طويلًا تحت الحجارة.»
هنا لا يعود الجنوب مجرد جغرافيا. إنه كائن يتذكر ويعرف ويحفظ.
«كان الجنوب يعرف صوته»؛ عبارة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح مساحة واسعة للتأويل. فالصوت لم يعد ملك صاحبه وحده؛ لقد صار جزءًا من المكان. والقرى ليست أسماء معلقة على الخريطة، بل ذاكرة محمولة في الجيب. والطرقات لا تؤدي إلى الأماكن فقط، وإنما تحفظ وقع الذين مروا عليها. أما الحكايات، فقد اختارت الحجارة سريرًا طويلًا للنوم.
يا له من مشهد شعري تتحول فيه الأمكنة إلى كائنات تتحرك وتحفظ وتتذكر.
وهنا تكمن إحدى جماليات تجربة يوسف حنا: أنسنة المكان. إنه يمنح الأشياء ذاكرة الإنسان، ويمنح الإنسان قدرة الأشياء على البقاء.
وفي مقطع آخر يقول:
«حين يغيب الشاعر لا تبحثوا عنه في القبر،
ابحثوا عن صوته في الأشياء التي لم تعد تعرف الصمت.»
هنا يبلغ مفهوم الغياب ذروته. فالشاعر لا يموت تمامًا حين يغيب جسده؛ لأن صوته يكون قد تسلل إلى الأشياء، وأصبح جزءًا من العالم الذي مرّ به.
إنه تصور شعري للخلود لا يقوم على فكرة التماثيل أو الأسماء المحفورة، وإنما على الأثر.
الشاعر يبقى في المكان الذي غيّرته كلماته، وفي الأشياء التي جعلها تنطق، وفي الذاكرة التي لم تعد قادرة على استعادة صمتها القديم.
وفي نصه «الغجري» نقرأ:
«أنا ذلك الغجري الذي كلما امتلك بيتًا اشتاق إلى الطريق، وكلما وصل إلى الطريق اشتاق إلى البيت.»
هنا تظهر ثنائية أخرى من ثنائيات يوسف حنا: البيت والطريق.
الغجري لا يبحث عن مكان نهائي؛ لأن المكان النهائي قد يكون شكلًا آخر من أشكال الأسر. إنه يريد البيت، لكنه حين يمتلكه يشتاق إلى الطريق، وحين يسلك الطريق يشتاق إلى البيت.
إنها ليست حيرة عابرة، بل صورة للإنسان نفسه؛ ذلك الكائن الذي يريد الاستقرار ويخافه في الوقت ذاته، يشتاق إلى الوصول، لكنه حين يصل يبدأ في الحنين إلى الرحيل.
ثم يقول:
«أسد سرجي إلى الليل وأترك الريح تختار لي جهة الرحيل، لا أريد مدينة كاملة، يكفيني شارع يضيء في آخره نافذة وحيدة، لا أريد حبًا كاملًا، يكفيني قلب يعرف كيف يترك ندبة من ورد.»
هنا تتكثف فلسفة النص.
إنه لا يريد العالم كاملًا؛ يريد جزءًا صغيرًا منه، لكنه جزء مشحون بالمعنى: شارع، نافذة، قلب، وردة، وليل مفتوح على جهة لا يعرفها.
وحتى الحب لا يطلبه مكتملًا؛ يكفيه أن يترك أثرًا، «ندبة من ورد».
وما أجمل هذه الصورة؛ فالندبة في الأصل علامة جرح، والورد علامة جمال. وحين يجمعهما الشاعر، يصبح الجرح نفسه حاملًا للجمال، ويصبح الحب شيئًا لا يشترط أن يبقى كاملًا كي يكون عميقًا.
ربما هنا نستطيع أن نلمس جوهر تجربة يوسف حنا: إنه شاعر الأثر لا الامتلاك، شاعر الطريق لا الوصول، شاعر السؤال لا الإجابة، وشاعر الأشياء التي تبدو صامتة حتى يأتي الشعر فيمنحها صوتًا.
ولهذا تبدو قصيدته مفتوحة على أكثر من قراءة؛ لأنها لا تمنح القارئ معنى جاهزًا، بل تدعوه إلى المشاركة في خلق المعنى.
إنها كتابة لا تقول لنا: هذه هي الحقيقة، وإنما تهمس: ابحث عن حقيقتك في المسافة بين الكلمات.
وفي تلك المسافة تحديدًا، يولد شعر يوسف حنا.