آراء

شراكة الأردن والصين الاقتصادية تدعم استقرار الشرق الأوسط

7 مشاهدة
شراكة الأردن والصين الاقتصادية تدعم استقرار الشرق الأوسط

الكاتبة: كريستين حنا نصر

في وقت تتقاطع فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية في الشرق الأوسط، وتفرض الحروب المتتالية واقعاً جديداً على حركة الطاقة والتجارة والاستثمار، لا تبدو التحركات الأردنية في الخارج منفصلة عن محيطها الإقليمي. وفي قلب هذا المشهد، جاءت زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين، حاملةً أكثر من عنوان سياسي واقتصادي؛ إذ تحرك جلالته لتثبيت شراكة عمرها 50 عاماً، وفتح مسارات جديدة أمام الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والسياحة، وتعزيز موقع الأردن كحلقة وصل بين الصين والشرق العربي.

الزيارة الملكية التاسعة للملك إلى الصين لم تكن محطة بروتوكولية في العلاقات بين عمّان وبكين، بل تحركاً متعدد المسارات، بدأ من القيادة السياسية الصينية، وامتد إلى المسؤولين وصنّاع القرار الاقتصادي، ووصل إلى كبرى الشركات الصينية والعالمية، بحثاً عن فرص يمكن أن تتحول من تفاهمات واتفاقيات إلى مشاريع إنتاجية تعزز الاقتصاد الأردني وتخدم موقع المملكة الإقليمي.

وقبيل مغادرته أرض الوطن، حمل حديث الملك مع وكالة الأنباء الصينية رسائل واضحة حول طبيعة العلاقات بين البلدين، مؤكداً أن العلاقات الأردنية الصينية، الممتدة منذ 50 عاماً، لم تعد مجرد علاقة دبلوماسية بين عمّان وبكين، وإنما أصبحت شراكة عميقة تشمل مجالات الطاقة والتعليم والتكنولوجيا والسياحة وغيرها. وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية مع دخول الشراكة الاستراتيجية بين البلدين عامها العاشر، لتأتي الزيارة الملكية وتضع أمامها رؤية أوسع للتعاون، عنوانها الأساسي توسيع المصالح الاقتصادية والاستثمارية المشتركة.

وخلال لقاءاته مع القيادة الصينية، وضع الملك الأساس السياسي لهذه المرحلة؛ إذ عقد مباحثات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، أسفرت عن توقيع بيان مشترك لإقامة علاقات وشراكات مهمة بين عمّان وبكين، بما يأخذ العلاقات الثنائية إلى مستوى أعمق وأوسع من التعاون المشترك. كما التقى جلالته رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، وبحث معه سبل المضي قدماً في مجالات حيوية تشمل السياحة والزراعة والصناعات الدوائية، في وقت التقى فيه أيضاً رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني تشاو لجي، لبحث توسيع الشراكة الاقتصادية بين البلدين.

ولم تتوقف اللقاءات عند المستوى السياسي، إذ التقى جلالته كذلك مسؤولي لجنة مراقبة وإدارة الأصول المملوكة للدولة الصينية، في إطار بحث تبادل الخبرات في إدارة وتطوير الشركات الحكومية والحوكمة. وهكذا، لم يكتفِ التحرك الملكي بتثبيت العلاقة السياسية، بل انتقل بها إلى مسارات اقتصادية ومؤسسية أكثر عمقاً.

واللافت في الزيارة أن التحرك الملكي لم يبقَ محصوراً في العاصمة بكين، بل امتد إلى شينزين وشنغهاي، وهما من أبرز مراكز الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة في الصين.

ففي شينزين، التقى الملك أمين عام الحزب الشيوعي في المدينة جين لي، وبحث معه فرص الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية، فيما التقى مسؤولين في شركات متخصصة في الروبوتات والتنقل الجوي المتقدم والخدمات اللوجستية، واطلع على تجاربها في البحث والتطوير والابتكار والتحول الرقمي. كما جرى توقيع مذكرة تفاهم لتطوير الذكاء الاصطناعي مع كبرى الشركات الصينية، بهدف تبادل الخبرات وبناء القدرات الرقمية في الأردن، إلى جانب اتفاقية لأنظمة النقل المتقدمة ركزت على نقل تكنولوجيا الروبوتات وأنظمة النقل الجوي المتقدمة بالتعاون مع مراكز الابتكار الصينية.

أما في شنغهاي، فالتقى جلالته عمدة المدينة غونغ تشنغ، وبحث معه توسيع العلاقات الأردنية الصينية في القطاعات الاقتصادية والتنموية الواعدة، كما التقى رؤساء تنفيذيين لشركات صينية كبرى تعمل في قطاعات الأدوية والأغذية والهندسة والزراعة والطيران، وبحث معهم فرص التعاون والاستثمار في الأردن.

وتعطي هذه اللقاءات للزيارة بعداً مختلفاً؛ فالملك لم يتحرك فقط على مستوى الحكومات، بل وصل إلى مراكز الإنتاج والتكنولوجيا والشركات القادرة على تحويل التفاهمات إلى استثمارات ومشاريع.

التكنولوجيا والابتكار

من أبرز الملفات التي حملتها الزيارة التكنولوجيا والابتكار، وهو توجه ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي في الأردن، التي تضع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن مساراتها الأساسية. فإلى جانب مذكرة تطوير الذكاء الاصطناعي، تضمنت التفاهمات التعاون في الروبوتات وأنظمة النقل المتقدمة، وبناء مراكز تدريب برمجية وتطوير الحلول السحابية بالتعاون مع المجموعات التقنية في شينزين.

وهنا تتجاوز أهمية التعاون مجرد الحصول على التكنولوجيا، لتصل إلى بناء قدرات بشرية ورقمية داخل الأردن، بما يفتح المجال أمام الاقتصاد الأردني للاستفادة من الخبرة الصينية في واحد من أسرع القطاعات نمواً في العالم.

الطاقة والأمن الاقتصادي

وفي ملف الطاقة، حملت الزيارة بعداً استراتيجياً في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة والعالم. فقد نجح الأردن في رفع حصة الطاقة المتجددة من 1% قبل عشر سنوات إلى 27%، ويستهدف الوصول إلى 40% بحلول عام 2035.

وخلال الزيارة، ركزت الاتفاقيات على تطوير مشاريع الطاقة المتجددة، وتحديث البنية التحتية للطاقة النظيفة وتخزينها باستخدام التقنيات الصينية الحديثة، إلى جانب إتاحة المجال أمام الشركات الصينية للاستثمار في البنية التحتية للطاقة وتوليدها.

كما التقى جلالة الملك رئيس مجلس إدارة هانيرجي المتخصصة في قطاع الطاقة البديلة والمتجددة، إلى جانب لقاءات مع شركات صينية تعمل في الطاقة والمعادن والأسمدة والأغذية والصناعات المتقدمة.

وفي ظل الضغوط التي تواجه خطوط الطاقة وحركة التجارة في المنطقة، فإن تعزيز قدرة الأردن على إنتاج الطاقة النظيفة وتطوير بنيتها التحتية لا يحمل بعداً اقتصادياً فقط، بل يرتبط أيضاً بمفهوم أوسع للأمن الاقتصادي.

التعدين والصناعات ذات القيمة المضافة

أما في مجال التعدين، فتتحول الشراكة الأردنية الصينية من مجرد طموح استثماري إلى تجربة قائمة بالفعل. فقد أشار جلالة الملك عبدالله الثاني إلى أن الشراكة الاستثمارية الناجحة في قطاع التعدين تتجسد في استحواذ المؤسسة الصينية للتنمية والاستثمار (SDIC) على حصة 28% من شركة البوتاس العربية، بقيمة بلغت 502 مليون دولار.

وبلغت الاستثمارات الصينية القائمة في الأردن بين 3 و3.56 مليار دولار، موزعة على قطاعات المنسوجات والحديد والسيراميك والطاقة والخدمات اللوجستية.

وتستهدف التفاهمات الجديدة مضاعفة هذه الأرقام وتقريبها من حجم الاستثمارات الصينية في دول المنطقة، إلى جانب زيادة الصادرات الأردنية من الفوسفات والبوتاس والأسمدة، وتطوير صناعات تحويلية توفر فرصاً للأيدي العاملة.

وهنا يظهر أحد الأهداف الاقتصادية الأهم للزيارة، وهو الانتقال من تصدير الموارد إلى تطوير صناعات ذات قيمة مضافة داخل الأردن.

السياحة والنقل الجوي ..

وفي قطاع السياحة، تحرك جلالة الملك باتجاه السوق الصيني من خلال توقيع اتفاقية للترويج السياحي المشترك مع مجموعة Trip.com العالمية في شنغهاي، بهدف تنشيط حركة السياحة الصينية الوافدة إلى الأردن وتسهيل إجراءات السفر.

وتستهدف التفاهمات الترويج للمواقع الأثرية الأردنية، وفي مقدمتها البتراء ووادي رم، كوجهات رئيسية للسوق الصيني.

ولم يكن ملف السياحة منفصلاً عن النقل؛ إذ وُقعت في بكين اتفاقية بين الملكية الأردنية والخطوط الصينية لتعزيز الربط الجوي وتوسيع التعاون التشغيلي والتجاري عبر المشاركة بالرمز (Codeshare)، والتمهيد لإطلاق رحلات طيران مباشرة جديدة بين عمّان وبكين.

وبذلك، يتحرك الأردن نحو بناء شبكة متكاملة تربط السياحة بالطيران والاستثمار، وتفتح الطريق أمام مزيد من حركة السياح والمستثمرين.

التعليم وبناء القدرات ..

ولم تقتصر نتائج الزيارة على قطاعات الإنتاج والطاقة والتكنولوجيا، بل امتدت إلى التعليم وبناء القدرات. فقد جرى تقديم منحة صينية بقيمة 130 مليون يوان صيني، إلى جانب مذكرة لتأسيس مؤسسة للتعليم العالي في الأردن، وبرنامج تنفيذي للتعاون التعليمي الثنائي يمتد للأعوام القادمة.

ويهدف هذا التعاون إلى زيادة المنح الدراسية المتبادلة والتبادل الثقافي بين الجامعات، إلى جانب توسيع برامج تدريس اللغتين العربية والصينية.

ويضيف هذا المسار بعداً طويل الأمد للشراكة، لأن الاستثمار في التعليم والقدرات البشرية يخلق أساساً لاستمرار التعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين البلدين.

الميزان التجاري والتحدي الاقتصادي ..

ورغم اتساع الشراكة، تبقى هناك معادلة اقتصادية تحتاج إلى معالجة؛ إذ وصل حجم التبادل التجاري بين الأردن والصين إلى 6.7 مليار دولار، منها 6.29 مليار دولار صادرات صينية للأردن، مقابل 430 مليون دولار فقط صادرات أردنية للصين.

وهذه الفجوة تضع رفع الصادرات الأردنية في مقدمة أهداف الشراكة الجديدة، خصوصاً من خلال التعدين والصناعات التحويلية والاستثمارات الصينية داخل المدن الصناعية الأردنية.

كما أن الاستفادة من موقع الأردن الاستراتيجي وميناء العقبة يمكن أن تمنح المملكة فرصة لتطوير دورها كمركز للتصنيع والتصدير والربط بين القارات. وهذه تحديداً إحدى النقاط التي ركز عليها جلالة الملك، حين تحدث عن الموقع الاستراتيجي للأردن باعتباره حلقة وصل بين دول الشرق العربي والدول الأخرى، وعن أهمية ميناء العقبة في الربط بين القارات، مقابل ما تمتلكه الصين من قوة اقتصادية وخبرة تكنولوجية وانتشار عالمي.

الشراكة الأردنية الصينية والاستقرار الإقليمي ..

ما يميز التحرك الملكي في الصين أنه لم يقدم الشراكة الأردنية الصينية باعتبارها علاقة ثنائية مغلقة، بل وضعها ضمن سياق أوسع يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط.

فجلالة الملك أكد أن استمرار غياب الحل للقضية الفلسطينية سيؤثر حتماً على المنطقة، وأن استمرار المواجهات والعنف يؤدي إلى عدم الاستقرار، مشدداً على ضرورة استقرار الشرق الأوسط لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين الصين وبلدان المنطقة.

ومن هنا، تصبح الشراكة الاقتصادية جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي، لا منفصلة عنها. فالأردن، الذي يمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً واستقراراً سياسياً، يستطيع أن يقدم نفسه للصين باعتباره منصة للنفاذ إلى أسواق الشرق العربي، فيما تستطيع الصين أن توفر التكنولوجيا والخبرة والاستثمار والأسواق.

وهذه المعادلة، إذا ما ترجمت إلى مشاريع فعلية، يمكن أن تمنح الأردن دوراً أكبر في الخريطة الاقتصادية الإقليمية.

الاختبار الحقيقي: التنفيذ ..

ختاماً، فإن حجم الإنجاز الملكي الذي تحقق من خلال الاتفاقيات ومذكرات التفاهم يجب أن يترجم على أرض الواقع، وبقدرة الأردن على تحويلها إلى واقع اقتصادي ملموس.

فالأردن وقع في مراحل تاريخية سابقة مذكرات تفاهم مع الصين وصلت قيمتها الافتراضية إلى نحو 7 مليارات دولار، فيما يرى خبراء اقتصاديون أردنيون مرافقون أن العبرة في الحزمة الحالية تكمن في سرعة تحويل المذكرات الـ24 إلى مشاريع إنتاجية فعلية على الأرض.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي. فالزيارة الملكية نجحت في فتح الأبواب على مستوى القيادة الصينية والمسؤولين ومراكز القرار الاقتصادي والشركات الكبرى، وفي قطاعات التكنولوجيا والطاقة والتعدين والسياحة والتعليم والنقل. لكن القيمة الفعلية لهذه الجهود ستظهر عندما تتحول الاتفاقيات إلى مصانع، والاستثمارات إلى وظائف، والتكنولوجيا إلى قدرات أردنية، والموارد إلى صادرات، والسوق الصينية إلى وجهة أكبر للمنتج والسياحة الأردنية.

وفي لحظة تعيد فيها الأزمات والحروب تشكيل خرائط التجارة والطاقة والاستثمار في الشرق الأوسط، جاءت زيارة الملك إلى الصين لتؤكد أن الأردن لا ينتظر تغير الظروف من حوله، بل يسعى إلى بناء أدوات جديدة للتعامل معها.

فالتحرك الملكي في بكين لم يكن بحثاً عن استثمار منفرد أو اتفاقية واحدة، بل محاولة لتوسيع مساحة الحركة الاقتصادية للأردن، والاستفادة من الشراكة الصينية في التكنولوجيا والطاقة والصناعة والتعدين والسياحة والتعليم والنقل، مع توظيف الموقع الأردني كبوابة بين الصين والشرق العربي.

وإذا نجح الأردن في تحويل هذه التفاهمات إلى مشاريع إنتاجية حقيقية، فإن أثرها لن يتوقف عند حدود المملكة؛ إذ يمكن أن تعزز قدرة الأردن على أن يكون مركزاً إقليمياً للتصنيع والتصدير والربط، وتمنح الشراكة الأردنية الصينية بعداً عربياً أوسع.

وهنا تكمن خلاصة الزيارة: الملك لم يذهب إلى بكين لتوقيع الاتفاقيات فقط، بل ذهب ليضع الأردن أمام شراكة يمكن أن تعيد تعريف دوره الاقتصادي في المنطقة.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: هل تتحول هذه الشراكة التاريخية من أرقام واتفاقيات إلى واقع اقتصادي يجعل من الأردن جسراً حقيقياً بين الصين والشرق العربي؟

ذلك ما نأمل أن يتحقق في القريب العاجل.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية