آراء

السفارة فى القاهرة!

120 مشاهدة
السفارة فى القاهرة!

الكاتب: د. بسام سعيد 

بوفاة السفير المناضل دياب اللوح، رحمه الله، سفير دولة فلسطين لدى جمهورية مصر العربية، أصبح موقع السفير شاغراً، فيما تواصل السفارة أعمالها بهياكلها التنظيمية فى خدمة ابناء شعبنا كالمعتاد، رغم غياب رأس الهرم.
لكن ما لفت انتباهي في الأيام الأخيرة هو ما يمكن تسميته بـ بورصة الأسماء التي بدأت تتردد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حول ترشيح هذا الاسم أو ذاك لشغل المنصب. وقد يكون بعض ذلك مجرد اجتهادات، وقد يكون مقصوداً بهدف التلميع أو جسّ النبض أو إيصال رسالة: لعل وعسى. وبالطبع، من حق أي إنسان أن يطمح إلى أي موقع يراه مناسباً له، لكن تعيين السفراء لا ينبغي أن يتحول إلى حملة علاقات عامة أو سباق على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالسفير ليس منصباً يُحجز بالإعلان، ولا وظيفة تُنال بكثرة الترويج للاسم، وإنما مسؤولية وطنية ودبلوماسية كبيرة، لها معاييرها وأصولها، وهناك وزارة الخارجية الفلسطينية والجهات المختصة التي يفترض أن تقيّم وتختار وفقاً لمصلحة فلسطين واحتياجات كل دولة، بعيداً عن الضجيج الإعلامي وبورصة الترشيحات.
ولعل ما شجع البعض على الدخول في هذه البورصة هو ما شهدته التعيينات السابقة في السلك الدبلوماسي الفلسطيني من حالات أثارت جدلاً واسعاً، خصوصاً عندما بدا أن بعض السفراء لم يكونوا دائماً الأكثر خبرة أو كفاءة، وأن اعتبارات الواسطة والعلاقات الشخصية أو الحضور السياسي قد تتقدم أحياناً على المؤهلات المهنية. وعندها يصبح الأمر أشبه بمحاولة تسويق الاسم: اعمل دعاية… بلكي تزبط معك بالفلوة.
لكن أهمية موقع سفير فلسطين في القاهرة تحديداً تجعل المسألة أكبر بكثير من مجرد اختيار شخص لشغل منصب شاغر.
مصر ليست دولة عادية في الحسابات الفلسطينية؛ إنها دولة محورية، وجارة، وصاحبة دور تاريخي وسياسي وأمني لا يمكن تجاوزه. كما أن حجم الوجود الفلسطيني في مصر، ولا سيما أبناء قطاع غزة، وحركة المواطنين والطلاب والمرضى وتنقلهم المستمر بين غزة ومصر، يجعل السفارة في القاهرة على تماس مباشر مع تفاصيل حياة الناس وهمومهم اليومية.
ولهذا تحتاج فلسطين في القاهرة إلى سفير يمتلك، قبل كل شيء، معرفة عميقة بمصر: سياسياً ومجتمعياً ومؤسساتياً، ويدرك طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، ويحسن المحافظة عليها وتطويرها، ويمتلك القدرة على التواصل مع مختلف دوائر الدولة والمجتمع المصري دون افتعال أو استعراض.
نحتاج سفيراً يعرف أن الدبلوماسية ليست «برستيجاً» ولا صوراً ومناسبات وبروتوكولاً فقط، بل عمل وإنجاز ومتابعة وحل للمشكلات. سفيراً يشعر بأن المواطن الفلسطيني الذي يقصد السفارة ليس رقماً في دفتر المراجعين، وإنما إنسان يحمل قضية وهمّاً وحاجة، ويستحق أن يُعامل باحترام واهتمام، وأن تُحل مشكلاته بروح الفريق بعيداً عن المزاجية والتعقيد.
نحتاج كذلك إلى سفير يكون قدوة للعاملين في السفارة، يرفع من مستوى الأداء، ويخلق بيئة عمل مهنية، ويضع الكفاءة والانضباط وخدمة المواطن فوق الحسابات الشخصية.
لذلك، فإن اختيار السفير القادم لفلسطين في القاهرة ينبغي ألا يخضع لبورصة الأسماء على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا لمن يملك شبكة علاقات أقوى أو قدرة أكبر على الترويج لنفسه. المطلوب عملية اختيار هادئة ومهنية، تضع مصلحة فلسطين وعلاقتها بمصر في المقدمة.
فالقاهرة تحتاج سفيراً بمواصفات القاهرة .
وفي النهاية، ليس السؤال: من يريد المنصب؟ وإنما السؤال الأهم: من يستطيع أن يحمل هذا المنصب ويضيف إليه، ويحمي مكانة فلسطين، ويخدم الفلسطينيين، ويعزز العلاقة مع مصر؟
هذا هو المعيار الذي ينبغي أن يحكم الاختيار، وما عداه يبقى مجرد بورصة أسماء … وقد تصيب مرة، لكنها ليست الطريقة التي تُدار بها الدبلوماسية.

*أكاديمي وكاتب