آراء

السلم الأهلي في القدس.. سلوان جرس إنذار ومسؤولية وطنية لوأد الفتنة

99 مشاهدة
السلم الأهلي في القدس.. سلوان جرس إنذار ومسؤولية وطنية لوأد الفتنة

الكاتب : اللواء بشار الخطيب 

تأتي الأحداث الدامية التي شهدتها بلدة سلوان في القدس خلال اليومين الماضيين لتضع ملف السلم الأهلي في المدينة المقدسة أمام اختبار بالغ الخطورة، ليس فقط بسبب ما خلفته من قتلى وجرحى، وإنما لأن أي نزاع عائلي أو اجتماعي في القدس يمكن، في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها المقدسيون، أن يتحول بسرعة من خلاف محدود إلى حالة أوسع من التوتر والاحتقان، بما يهدد النسيج الاجتماعي ويستنزف طاقة المجتمع في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى الوحدة والتماسك.

وبحسب تقارير فلسطينية وإعلامية متطابقة، شهدت سلوان شجاراً عائلياً عنيفاً تخلله إطلاق نار، وأدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى، فيما تحدثت محافظة القدس عن مقتل مواطنين برصاص قوات الاحتلال خلال تدخلها في الأحداث. كما أشارت تقارير إلى أن رجال الإصلاح واجهوا صعوبات في الوصول إلى موقع النزاع والتدخل لاحتواء الموقف.

وليس الهدف من التوقف عند هذه الفاجعة إعادة فتح الجراح أو الدخول في تفاصيل النزاع وأطرافه، وإنما استخلاص الدرس الأهم: أن المجتمع المقدسي لا يحتمل مزيداً من النزيف الداخلي، وأن الوقاية من الفتنة يجب أن تصبح عملاً وطنياً دائماً لا تحركاً موسمياً يأتي بعد وقوع الكارثة.

سلوان ليست مجرد حادثة عابرة ..

من الخطأ التعامل مع ما جرى في سلوان باعتباره شأناً عائلياً محضاً ينتهي بانتهاء إطلاق النار أو تشييع الضحايا. فالدم حين يسيل في مجتمع صغير ومترابط يترك وراءه آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة، وقد تنتقل تداعياته من جيل إلى جيل إذا لم تتم معالجة أسباب الخلاف، وإغلاق أبواب الثأر والانتقام، وإعادة بناء الثقة بين الأطراف.

وتزداد خطورة الأمر في القدس تحديداً؛ فالمدينة تعيش أصلاً تحت ضغط الاحتلال وسياساته التي تستهدف الأرض والإنسان والهوية والوجود الفلسطيني. وقد أكد الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس اللواء بلال النتشة في مواقف حديثة أن القدس تمر بمرحلة شديدة التعقيد، في ظل سياسات إسرائيلية تستهدف طابعها الديمغرافي والجغرافي والتاريخي، وأن تعزيز صمود المقدسيين ووحدتهم يمثل أولوية وطنية.

ومن هنا فإن الحفاظ على السلم الأهلي ليس ترفاً اجتماعياً، بل جزء من معركة الصمود الوطني.

الفتنة تبدأ صغيرة.. لكن نتائجها قد تكون كبيرة ..

كثير من النزاعات المجتمعية لا تبدأ باعتبارها مشروعاً للانقسام، وإنما تنطلق من خلاف شخصي أو عائلي أو مالي أو اجتماعي، ثم تتسع نتيجة الانفعال، وانتشار الشائعات، وتدخل أطراف جديدة، واستخدام السلاح، وتحول الخلاف من قضية بين أفراد إلى اصطفاف بين عائلات أو مجموعات.

وهنا تكمن مسؤولية المجتمع قبل المؤسسة الرسمية. فحين يشعر الناس بأن الخلاف يمكن أن يُحل بالحوار، وحين تكون هناك مرجعيات اجتماعية موثوقة تستطيع التدخل في اللحظة الأولى، وحين تكون العائلات والقوى الوطنية ورجال الدين والشخصيات الاعتبارية على استعداد للتحرك قبل أن تتسع دائرة الخلاف، فإن احتمالات الانزلاق إلى العنف تصبح أقل بكثير. أما انتظار سقوط الضحايا ثم البحث عن حلول، فهو يعني أننا تحركنا بعد فوات اللحظة الأكثر أهمية: لحظة الوقاية.

القوى الوطنية والاجتماعية أمام مسؤولية تاريخية ..

إن القوى الوطنية والاجتماعية في القدس مطالبة اليوم بإعادة تعريف دورها. فالمطلوب ليس فقط إصدار بيانات الاستنكار بعد وقوع الأحداث، وإنما بناء منظومة دائمة للتدخل المبكر وحماية السلم الأهلي. وهذه المنظومة يمكن أن تقوم على عدة مستويات:

أولاً: التدخل المبكر 
ينبغي عدم ترك الخلافات الصغيرة تتراكم. فكل خلاف اجتماعي قابل للاتساع يجب أن يجد من يتدخل فيه بالحكمة والسرعة، قبل أن يتحول إلى مواجهة.

ثانياً: تفعيل رجال الإصلاح والعشائر والشخصيات الاعتبارية 
لقد أثبت المجتمع الفلسطيني تاريخياً قدرة كبيرة على حل النزاعات بالوساطة والإصلاح والصلح العشائري والاجتماعي، لكن هذه الآليات تحتاج إلى دعم مؤسسي وتنظيم أفضل، بحيث تكون قادرة على التحرك في الوقت المناسب.

ثالثاً: تحييد الأطفال والشباب عن النزاعات 
من أخطر تداعيات النزاعات العائلية أن تتحول إلى ذاكرة جماعية لدى الأجيال الجديدة. ولذلك يجب منع خطاب التحريض والثأر، وقطع الطريق على كل من يحاول تحويل الخلاف إلى كراهية متوارثة.

رابعاً: مواجهة ثقافة السلاح 
لا يمكن بناء مجتمع آمن في ظل انتشار السلاح واستخدامه في الخلافات الاجتماعية. فالخلاف مهما بلغ من التعقيد لا ينبغي أن يتحول إلى حكم بالموت على أشخاص وأسر بأكملها.

خامساً: محاصرة الشائعة 
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي يمكن لمنشور واحد أو تسجيل صوتي أو معلومة غير دقيقة أن يشعل موجة غضب واسعة. لذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي عدم تداول المعلومات غير الموثقة، وعدم نشر صور الضحايا أو مشاهد العنف بما يزيد الاحتقان، والاعتماد على المعلومات الموثوقة.

المؤتمر الوطني الشعبي للقدس ودور السلم الأهلي ..

في هذا السياق، يبرز دور المؤتمر الوطني الشعبي للقدس بوصفه أحد الأطر الوطنية التي يمكن أن تضطلع بدور جامع في حماية المجتمع المقدسي وتعزيز تماسكه. وهذا الدور ليس جديداً على المؤتمر؛ فقد أعلن هذا الأخير في وقت سابق أن ملف السلم الأهلي لديه يقوم على التعاون مع مختلف الأطراف الرسمية والشعبية والعشائرية، وأنه يتابع مئات القضايا والعمل على حل عدد كبير منها بالتعاون مع الجهات ذات الاختصاص.

كما سبق أن أكدت قيادات وطنية وأمنية أهمية التعاون مع المؤتمر في مجال تعزيز السلم الأهلي والجبهة الداخلية، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.

وهنا تبرز أهمية التوجيهات التي يعطيها الأمين العام للمؤتمر، اللواء بلال النتشة، في جعل قضية التماسك الاجتماعي جزءاً من العمل الوطني في القدس، لا ملفاً هامشياً منفصلاً عن القضية الوطنية.

فالمجتمع الذي يريد أن يصمد في وجه الاحتلال يحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، وإلى قدرة على إدارة خلافاته بالحكمة، وإلى مؤسسات وطنية قادرة على جمع الناس لا تفريقهم.

ما هو المطلوب بعد أحداث سلوان ؟ ..

إن مأساة سلوان تفرض التفكير في خطوات عملية، ويمكن للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس، بتوجيهات اللواء بلال النتشة، أن يساهم في إطلاق مبادرة مقدسية واسعة تحت عنوان "معاً لحماية السلم الأهلي"، تشارك فيها العائلات والقوى الوطنية والمرجعيات الدينية ورجال الإصلاح والمؤسسات المجتمعية والشبابية.

ويمكن أن تتضمن هذه المبادرة:

  1. تشكيل شبكة إنذار اجتماعي مبكر ترصد الخلافات التي قد تتطور إلى نزاعات خطيرة، وتتولى التواصل مع الأطراف قبل تفاقمها.
  2. تشكيل لجان إصلاح محلية في أحياء وبلدات القدس، تضم شخصيات تحظى بالاحترام والثقة، وتكون قادرة على التدخل السريع.
  3. إطلاق ميثاق مقدسي للسلم الأهلي تتعهد بموجبه العائلات والقوى الاجتماعية والوطنية برفض الاحتكام إلى السلاح، ونبذ الثأر والتحريض، واللجوء إلى الحوار والإصلاح والقانون.
  4. إشراك الشباب والوجهاء ورجال الدين في حملات توعية مستمرة حول مخاطر العنف المجتمعي، لأن حماية السلم الأهلي ليست مسؤولية كبار السن وحدهم.
  5. إنشاء قنوات تنسيق دائمة بين المؤتمر والجهات الرسمية والشعبية والعشائرية، حتى لا يبدأ التواصل بعد وقوع الكارثة.
  6. معالجة آثار النزاعات بعد انتهائها، لأن الصلح الحقيقي لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتطلب معالجة آثار الجريمة وإعادة بناء العلاقات ومنع تجدد الاحتقان.

من الضروري هنا التمييز بين أمرين: مسؤولية الأفراد والمجتمع عن منع الجريمة والعنف، ومسؤولية الاحتلال عن البيئة السياسية والأمنية القاسية التي يعيش فيها المقدسيون.

فالاحتلال يستفيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من أي شرخ داخل المجتمع الفلسطيني. وكلما انشغل الناس بخلافاتهم الداخلية، تراجعت قدرتهم على مواجهة التحديات الكبرى التي تستهدف وجودهم وحقوقهم.

ولهذا فإن الوحدة الاجتماعية في القدس ليست فقط قيمة أخلاقية، وإنما هي فعل مقاومة مدنية ووطنية.

وقد شدد اللواء بلال النتشة في مواقف متعددة على أهمية الوحدة والعمل المشترك وحماية القدس وتعزيز صمود أهلها، كما أكد أن المدينة تواجه سياسات تستهدف هويتها ووجود سكانها الفلسطينيين.

وعليه، فإن حماية البيت الداخلي المقدسي تصبح شرطاً من شروط حماية المدينة نفسها.

لا يجوز أن تتحول المأساة إلى ثأر جديد ..

أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أحداث سلوان هو أن تتحول المأساة إلى بداية لمآسٍ جديدة.

فالدم لا يعالج بالدم، والعدالة لا تتحقق بالانتقام، وكرامة الضحايا لا تُصان بإضافة ضحايا جدد إلى القائمة.

إن أكرم ما يمكن فعله تجاه الذين فقدوا حياتهم هو منع تكرار المأساة، وحماية أسرهم، ووقف كل أشكال التحريض، وترك المجال أمام القانون والإصلاح المجتمعي ليأخذا مسارهما.

وهنا يجب أن يكون صوت القيادات الوطنية والاجتماعية واضحاً: لا للثأر، لا للتحريض، لا للسلاح في الخلافات، ولا لأي خطاب يمكن أن يحول جرحاً عائلياً إلى فتنة مجتمعية.

من رد الفعل إلى الوقاية ..

لقد حان الوقت للانتقال من مفهوم "حل المشكلة" إلى مفهوم "منع المشكلة". وهذا يتطلب أن يكون ملف السلم الأهلي حاضراً بصورة دائمة في العمل الوطني المقدسي، وأن تكون هناك اجتماعات دورية بين القوى الوطنية والاجتماعية، وأن يتم التعرف إلى بؤر التوتر قبل انفجارها، وأن يمتلك المجتمع آليات واضحة للتدخل.

وفي هذا الإطار، فإن تجربة المؤتمر الوطني الشعبي للقدس في متابعة قضايا السلم الأهلي يمكن أن تشكل قاعدة لبناء نموذج أكثر شمولاً، خاصة أن المؤتمر أعلن عن نجاحه في معالجة مئات القضايا بالتعاون مع أطراف رسمية وشعبية وعشائرية.

وهذه التجربة تستحق أن تتحول من جهود لمعالجة الحالات الفردية إلى منظومة مقدسية مؤسسية للوقاية من النزاعات.

القدس بحاجة إلى جبهة داخلية متماسكة ..

القدس اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الانقسام. هي بحاجة إلى أن يتقدم العقل على الغضب، والحكمة على الانفعال، والحوار على السلاح، والوحدة على الاصطفاف العائلي والمناطقي.

إن القوى الوطنية والاجتماعية مطالبة بأن تكون حاضرة في كل حي وبلدة، لا بعد وقوع الأحداث فقط، وإنما قبلها. ورجال الإصلاح مطالبون بأن يكونوا جسراً بين الناس، والمؤسسات الوطنية مطالبة بتوفير الغطاء والتنسيق لهم، والشباب مطالبون برفض التحريض، والعائلات مطالبة بحماية أبنائها من الانجرار إلى العنف.

وفي هذا السياق، يمكن للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس، بقيادة أمينه العام اللواء بلال النتشة، أن يكون منصة جامعة لتنسيق هذا الجهد، بما ينسجم مع دوره في خدمة المقدسيين وتعزيز صمودهم وتماسكهم.

إن أحداث سلوان يجب ألا تمر كخبر عابر في نشرات الأخبار. إنها جرس إنذار يذكرنا بأن السلم الأهلي في القدس يحتاج إلى حماية مستمرة، وأن الوقاية من الفتنة مسؤولية جماعية تبدأ من العائلة ولا تنتهي عند المؤسسات الوطنية.

وإذا كانت القدس تواجه تحديات الاحتلال والتهجير والهدم والاستيطان ومحاولات تغيير هويتها، فإن الحفاظ على وحدتها الداخلية يصبح واجباً وطنياً لا يقل أهمية عن أي ملف آخر.

لقد آن الأوان لأن نضع قاعدة واضحة أمام الجميع:

نختلف، لكننا لا نتقاتل.
نحتكم إلى القانون والإصلاح، لا إلى السلاح.
نحمي أبناءنا من الثأر، ولا نورثهم الكراهية.
نختلف في الرأي، لكننا نتوحد في حماية القدس.

ومن هنا فإن الرسالة التي ينبغي أن تخرج من مأساة سلوان هي أن السلم الأهلي ليس مهمة جهة واحدة، وإنما مسؤولية القدس كلها؛ وأن المبادرة إلى وأد الفتنة قبل وقوعها هي شكل من أشكال حماية المجتمع، وحماية المشروع الوطني، وحماية القدس نفسها.

وفي ظل توجيهات اللواء بلال النتشة، فإن تعزيز هذا الدور يمكن أن يفتح الباب أمام شراكة مقدسية أوسع، تجعل من الإصلاح المجتمعي والوقاية من العنف جزءاً ثابتاً من العمل الوطني، حتى تبقى القدس قوية بأهلها، متماسكة بمؤسساتها، وقادرة على مواجهة التحديات الكبرى دون أن تسمح للخلافات الداخلية بأن تنال من وحدتها وصمودها.

*مسؤول ملف السلم الاهلي في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس