آراء

الانتخابات الفلسطينية في ظل الانتخابات الإسرائيلية: بين الاستحقاق والحكمة السياسية

47 مشاهدة
الانتخابات الفلسطينية في ظل الانتخابات الإسرائيلية: بين الاستحقاق والحكمة السياسية

الكاتب : د. ربحي دولة


أعتقد أن إجراء الانتخابات الفلسطينية بالتزامن مع الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد يكون خطأً سياسيًا كبيرًا، بل قد يصل إلى حد الخطيئة إذا لم نقرأ المشهد الفلسطيني والإسرائيلي باعتباره مشهدًا واحدًا، وإذا تعاملنا مع الانتخابات الفلسطينية باعتبارها استحقاقًا إجرائيًا منفصلًا عن التحولات العميقة التي تجري من حولنا.

القضية الفلسطينية اليوم تقف على مفترق طرق بالغ الخطورة، وربما أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ عقود. فالخطر لم يعد يتمثل فقط في استمرار الاحتلال، وإنما في احتمال الانتقال من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه من طرف واحد، عبر الاستيطان والضم وتغيير الوقائع على الأرض وإضعاف فكرة الدولة الفلسطينية إلى حد إنهائها عمليًا.

وفي هذا السياق، تصبح الانتخابات الإسرائيلية حدثًا لا يمكن للفلسطينيين أن يتعاملوا معه باعتباره شأنًا إسرائيليًا داخليًا لا علاقة لنا به. الحكومة التي ستنتجها الانتخابات الإسرائيلية ستحدد، إلى حد بعيد، طبيعة المرحلة المقبلة، ليس فقط فيما يتعلق بالسياسة الداخلية الإسرائيلية، وإنما أيضًا تجاه الضفة الغربية والقدس والاستيطان والضم ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين.

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: لماذا نستعجل إجراء انتخاباتنا قبل أن نعرف أي حكومة إسرائيلية ستخرج من صناديق الاقتراع؟

إذا أعادت الانتخابات الإسرائيلية إنتاج الحكومة الحالية، أو أفرزت حكومة أكثر يمينية وتطرفًا، فإن الفلسطينيين سيكونون أمام واقع سياسي شديد الخطورة، وقد تدخل القضية مرحلة جديدة من الاستيطان والضم وتكريس الاحتلال ومحاولة إغلاق الطريق نهائيًا أمام قيام دولة فلسطينية. أما إذا أفرزت الانتخابات الإسرائيلية حكومة مختلفة في تركيبتها وتوجهاتها، فإن ذلك سيخلق بالضرورة معطيات سياسية جديدة يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند صياغة الخطاب والبرنامج والتحالفات الفلسطينية.

من هنا، فإن تأجيل الانتخابات الفلسطينية لفترة محدودة، إلى حين اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية وشكل الحكومة التي ستتشكل بعدها، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره هروبًا من الاستحقاق الديمقراطي أو تراجعًا عن حق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه. على العكس، يمكن أن يكون التأجيل في هذه اللحظة تعبيرًا عن أعلى درجات المسؤولية السياسية، إذا كان الهدف منه قراءة المرحلة والاستعداد لها بصورة أفضل.

الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، وإنما هي أيضًا قدرة على اتخاذ القرار في التوقيت المناسب، ووعي بطبيعة الظروف التي تجري فيها الانتخابات، وقدرة على تحويل الإرادة الشعبية إلى مشروع سياسي قادر على مواجهة التحديات.

المشكلة أن إجراء الانتخابات في موعدها، دون أن نعرف طبيعة المرحلة الإسرائيلية المقبلة، قد يجعلنا نخوض معركة سياسية داخلية بينما تتغير قواعد الصراع من حولنا. وقد ننشغل بتوزيع المقاعد وتشكيل التحالفات والصراع على الشرعية، في الوقت الذي تكون فيه إسرائيل قد حسمت خياراتها تجاه الضفة والاستيطان والضم ومستقبل القضية الفلسطينية.

ولذلك فإن المسألة ليست في الانتخابات بحد ذاتها، وإنما في السؤال: أي انتخابات نريد، وماذا نريد منها؟
هل نريد انتخابات تعيد إنتاج الانقسام السياسي بأشكال جديدة؟ أم انتخابات تكون مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس شراكة وطنية حقيقية؟ هل نريد انتخابات تتنافس فيها القوى الفلسطينية على السلطة والمواقع، أم انتخابات تضع أمام الشعب برامج واضحة لمواجهة مرحلة قد تكون الأخطر على المشروع الوطني الفلسطيني؟

إن الانتخابات المقبلة يجب أن تكون أكثر من مجرد استحقاق دستوري. يجب أن تكون مناسبة لإعادة صياغة المشروع السياسي الفلسطيني، وتجديد الشرعية، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات على أسس وطنية وديمقراطية، وصياغة تحالفات قادرة على مواجهة التحديات المقبلة.

وهذا كله يتطلب أن نعرف أولًا طبيعة البيئة السياسية التي سنعمل داخلها.

قد يرى البعض أن انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية يعني ربط القرار الفلسطيني بالقرار الإسرائيلي، وهذا في ظاهره صحيح، لكنه في جوهره ليس كذلك. نحن لا ننتظر إسرائيل كي تقرر لنا مستقبلنا، وإنما ننتظر حدثًا ستكون له آثار مباشرة على واقعنا، حتى نستطيع أن نحدد أدواتنا السياسية في ضوء الواقع الجديد.

هناك فرق بين أن نسمح لإسرائيل بتحديد أجندتنا، وبين أن نقرأ سياساتها ونبني استراتيجيتنا على أساسها.

نحن بحاجة إلى أن نعرف ما إذا كنا مقبلين على حكومة إسرائيلية تسعى إلى تثبيت الأمر الواقع وتوسيع الاستيطان والضم، أم أمام حكومة قد تفتح مساحة سياسية مختلفة، حتى لو كانت محدودة. وفي كلتا الحالتين سيكون للنتيجة تأثير مباشر على طبيعة البرنامج السياسي الفلسطيني، وعلى شكل التحالفات التي ينبغي أن تتشكل، وعلى الخطاب الذي يجب أن نخاطب به شعبنا والعالم.

لذلك، فإن بضعة أشهر من الانتظار قد تكون أكثر فائدة من انتخابات تُجرى في توقيت خاطئ.

التأجيل، بالطبع، يجب ألا يتحول إلى تأجيل مفتوح أو ذريعة لتعطيل الحياة الديمقراطية. المطلوب تأجيل محدد وواضح، مرتبط بظرف سياسي محدد، على أن يتم تحديد موعد الانتخابات فور اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية وشكل الحكومة المقبلة.

وخلال فترة التأجيل ينبغي ألا يكون هناك فراغ سياسي، بل على العكس، يجب أن تتحول هذه الفترة إلى ورشة وطنية حقيقية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وإعادة بناء التوافق الوطني، وصياغة برنامج سياسي واضح، والاتفاق على قواعد المنافسة الانتخابية، وبناء أوسع تحالف ممكن في مواجهة المخاطر التي تهدد القضية الفلسطينية.

فالانتخابات التي لا يسبقها اتفاق على الحد الأدنى من الرؤية الوطنية قد تزيد الانقسام بدلًا من أن تنهيه، بينما الانتخابات التي تأتي بعد قراءة دقيقة للمرحلة يمكن أن تتحول إلى أداة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتعزيز قدرته على الصمود والمواجهة.

القضية الفلسطينية اليوم ليست أمام معركة انتخابية عادية. نحن أمام لحظة قد تحدد شكل الصراع لسنوات طويلة قادمة. وإذا كانت الانتخابات الإسرائيلية قد تؤدي إلى تغيير الحكومة أو إعادة إنتاجها، وإذا كان هذا التغيير أو عدمه سيؤثر بصورة مباشرة على مستقبل الاستيطان والضم والدولة الفلسطينية، فإن من الحكمة ألا نغلق على أنفسنا باب الخيارات قبل أن تتضح الصورة.

إن تأجيل الانتخابات في هذه اللحظة ليس بالضرورة تراجعًا عن الديمقراطية، بل قد يكون دفاعًا عنها وعن معناها السياسي. فالانتخابات ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما وسيلة لإنتاج شرعية سياسية قادرة على حماية المشروع الوطني والتعبير عن إرادة الشعب.

ولهذا، فإن الحكمة تقتضي أن ننتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وأن نقرأ الحكومة التي ستتشكل، وأن نفهم طبيعة المرحلة المقبلة، ثم نحدد على أساسها خطابنا السياسي وبرامجنا وتحالفاتنا، ونذهب إلى انتخابات فلسطينية نعرف لماذا نجريها وماذا نريد منها
فالاستعجال في الانتخابات قد يمنحنا موعدًا، لكنه لا يمنحنا بالضرورة مشروعًا. أما الانتظار المدروس، إذا كان قصيرًا ومحددًا ومصحوبًا بعمل وطني جاد، فقد يمنحنا فرصة لإعادة بناء المشروع السياسي الفلسطيني قبل أن نجد أنفسنا أمام واقع جديد لا نملك الأدوات الكافية لمواجهته.وفي لحظة أصبحت فيها القضية الفلسطينية نفسها على المحك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نريد الانتخابات أم لا؟ وإنما: هل نريد انتخابات في موعدها فقط، أم نريد انتخابات قادرة على إنتاج قيادة وشرعية وبرنامج وطني لمواجهة المرحلة القادمة؟
٠كاتب وسياسي فلسطيني