ثقافة

حين يعودُ البحرُ بالقرية

16 مشاهدة
حين يعودُ البحرُ بالقرية
الشاعر: يوسف حنا
.
في الزيب،
جلستُ قبالةَ البحر،
وكان المساءُ
يفتحُ نافذةً من ذهب
على جهةٍ
لا أعرفُ كيف أسمّيها.
.
لم يكن البحرُ بحرًا فقط؛
كان ذاكرةً زرقاء
تُخفي تحت جلدها
خطى الذين مرّوا من هنا،
ضحكاتِ الأطفال،
رائحةَ الخبز،
أبوابَ البيوت
وهي تفتحُ صباحها
على الياسمين.
.
كنتُ أحدّقُ في الموج،
فكلما انكسرَ موجٌ
على الرمل،
سمعتُ شيئًا
من قريةٍ بعيدة
تعود.
.
هنا
ربما كانت يدٌ
تعلّقُ ثوبًا على شرفة،
وهناك
امرأةٌ تنادي ابنها
قبل أن تبتلعَ الأزقةُ
آخرَ ضوءٍ من النهار.
.
وكانت البيوتُ
تنامُ قريبةً من البحر،
كأنها تعرفُ
أن الموجَ جارٌ أمين،
وأن الفجرَ
سيجدُ دائمًا طريقه
إلى النوافذ.
لكنني حين التفتُّ
لم أجدْ سوى البحر.
.
بحرٌ واسع،
وسماءٌ تجرُّ خلفها
ثوبَها البرتقالي،
وشمسٌ تتباطأُ في الغروب
كأنها لا تريدُ
أن توقّعَ على غيابها.
.
يا شمسَ الزيب،
لماذا كنتِ جميلةً
إلى هذا الحد
في مساءٍ
يوقظُ كلَّ هذا الوجع؟
.
كنتِ تغرقينَ ببطء
في الماء،
وأنا أغرقُ
في زمنٍ لم أعشه،
لكنني أعرفه
كما يعرفُ القلبُ
بيتَه القديم.
.
كلما انحنتْ شُعلةٌ منكِ
على الموج،
رأيتُ نافذةً
من نوافذ القرية.
.
وكلما انطفأَ لونٌ
في الأفق،
عاد وجهٌ
من وجوه الذين رحلوا.
.
حتى خُيّل إليّ
أن البحرَ ليس أمامي،
بل بيني وبينهم،
وأن كلَّ موجةٍ
تحملُ رسالةً
لم تصل.
.
مددتُ يدي إلى الماء،
فلم ألمسْ سوى الملح.
لكنني شعرتُ
أن أصابعَ كثيرةً
كانت تمسكُ أصابعي
من الجهة الأخرى.
وعندما غربتِ الشمسُ تمامًا،
لم ينطفئ المكان.
بقي على الماء
خيطٌ أخيرٌ من ذهب،
كأنه الطريقُ
الذي تركته القرية
مفتوحًا
للذين سيعودون.
.
وقفتُ.
كان البحرُ أمامي
أوسعَ من المنفى،
وأقدمَ من الذاكرة،
وكان الغروبُ
يضع يده على كتفي
ويقول:
لا تبكِ...
فالقرى التي تُقتلعُ من الأرض
لا تُقتلعُ من القلب.
ومنذ تلك اللحظة،
كلما رأيتُ بحرًا
أبحثُ في آخره
عن الزيب؛
عن بيتٍ
لم يبقَ منه بيت،
عن شجرةٍ
لم يبقَ منها ظل،
وعن قريةٍ
ما زالت، رغم كل شيء،
تعودُ إليَّ
مع كلِّ غروب.
.