ثقافة

إِلى أَين تأخذيني؟

60 مشاهدة
إِلى أَين تأخذيني؟

 

الشاعر: يوسف حنا 

أَيّتها السفينةُ
التي نسيتْ على رصيفِ الماءِ
اسْمَها،

مَن علّقَ هذا المساءَ
في صاريكِ؟
ومَن تركَ الريحَ
وحيدةً
تجرُّ حبلَها في البحر؟

حين تغربُ الشمسُ،
إِلى أَينَ تأخذينني؟

لا ميناءَ خلفَكِ،
ولا ميناءَ أَمامكِ،
والبحرُ
يطوي خرائطَهُ
مثلَ رجلٍ
يخفي رسالةً لم يجرؤْ على قراءتها.
.
أَيّتها السفينةُ،
لا ترفعي الشراع...

اتركيه
يرتجفُ قليلًا
فوق كتفِ الغياب.

ربما كانتِ الريحُ
تبحثُ عن جسدٍ
لتسكنَه،
وربّما كان البحرُ
قد حفظَ خطايَ
منذُ أَن كنتُ
قطرةً تائهةً
في عينِ أُمي.
.
خذيني...

لكن لا تأخذيني
إِلى مكانٍ
أَعرفُه.

أُريدُ أَن أَضيعَ
في جهةٍ
لم تُسمِّها الخرائط،
حيثُ تنامُ الجزرُ
في جيوبِ الغيم،
وحيثُ الأَسماكُ
تقرأُ أَسماءَ الموتى
على شواهدِ الماء.
.
هناك،
حين يهبطُ الليلُ
على مهلٍ،
سأسمعُ وقعَ خطواتي
وهي تعودُ إِليَّ
من قاعِ البحر.

وسأَرى نافذةً
مفتوحةً في الموج،
وخلفَها
طفلٌ يشبهُني،
يجلسُ إِلى طاولةٍ صغيرة
ويرسمُ سفينةً
بلا بحّارة.

سأَسأَلُه:

إِلى أَينَ تمضي؟

فيشيرُ إِلى الشمس
التي لم تغربْ بعد.

ثم يبتسم.

وأَفهمُ...

أَنّنا لم نكنْ
نبحثُ عن الطريق،
بل عن بحرٍ
يستطيعُ أَن ينسى
أَنّنا عبرناه.
.
أَيّتها السفينةُ
الوحيدة...

حين تنطفئُ آخرُ نافذةٍ
في جهةِ البرِّ،
لا تعودي بي.

اتركيني هناك،
بين موجتين،
حيثُ لا يكونُ للغائبِ
قبرٌ،
ولا للحاضرِ
اسْم.

اتركيني
كي أَتعلمَ أَخيرًا
كيف يكونُ الإِنسانُ
سفينةً
تبحرُ في نفسِه
ولا تصل.
.
*الصورة: خليجُ حيفا… حين ينامُ البحرُ في حضنِ الليل.