آراء

التعليم في القدس : معركة على المدرسة والكتاب والعقل

13 مشاهدة قراءة 16 دقيقة

الكاتبة : غدير فوزي جابر


مع انطلاق العام الدراسي 2026/2027 في القدس، لم يكن المشهد التعليمي مجرد عودة اعتيادية للطلبة إلى مقاعد الدراسة، بل جاء محمّلاً بسلسلة من الإجراءات والقيود التي تمس انتظام العملية التعليمية، واختيار المنهاج، ووصول المعلمين، واستقرار المدارس، وصولاً إلى مضمون الكتاب المدرسي ذاته.

وتشير المعطيات الرسمية الفلسطينية إلى أن العام الدراسي الجديد بدأ في ظل إجراءات إسرائيلية تستهدف، بحسب وزارة التربية والتعليم العالي ، فرض المنهاج الإسرائيلي على طلبة الصفوف الأولى والسابعة، ومنع عدد من المعلمين والعاملين من الضفة الغربية من الوصول إلى مدارسهم بسبب عدم تجديد تصاريح الدخول.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة إذا وضعناها في سياق الأرقام،فبحسب معطيات عُرضت أمام لجنة فرعية في الكنيست في كانون الثاني/يناير 2026، كان 36% من طلبة القدس الشرقية يدرسون المنهاج الإسرائيلي، مقابل 23% في العام الدراسي 2024/2025. كما أعلنت مصادر فلسطينية في بداية العام الدراسي الحالي أن نحو 45 ألف طالب، من أصل قرابة 120 ألفا في القدس الشرقية، باتوا مستهدفين بتوسيع تطبيق المنهاج الإسرائيلي ليشمل الصفوف المستهدفة.  

إن الخلاف حول المنهاج في القدس لا يتعلق بالخلاف بين كتابين مدرسيين فحسب؛ فالمنهاج هو أيضاً الأداة التي يتشكل من خلالها وعي الطالب تجاه التاريخ والجغرافيا واللغة والهوية والمكان. وتوثق دراسة أكاديمية حديثة، نشرت في دورية "Curriculum Inquiry" في آذار/مارس 2026، عملية فحص وتعديل للكتب الفلسطينية المستخدمة في القدس الشرقية، وتعرض أمثلة على حذف أو استبدال إشارات إلى الاحتلال والرواية الفلسطينية والقدس، وتخلص إلى أن الكتب المدرسية أصبحت جزءاً من الصراع على إنتاج المعرفة والهوية. وقد تناولت الدراسة 28 كتاباً في الدراسات الاجتماعية للصفوف من الثالث إلى العاشر. 

ومن هنا، فإن الخطر الذي نراه لا يكمن فقط في تغيير عنوان درس أو حذف فقرة، وإنما في تراكم تغييرات صغيرة ومتكررة يمكن أن تعيد تشكيل الطريقة التي ينظر بها الطفل إلى تاريخه وبيئته ومجتمعه. فالطفل لا يقرأ الكتاب المدرسي بوصفه وثيقة سياسية، وإنما يستقبله باعتباره معرفة مدرسية موثوقة، ولذلك فإن التحكم في مضمون هذه المعرفة قد تكون له آثار بعيدة المدى على الذاكرة والهوية.

وبهذا المعنى، يرى المؤتمر الوطني الشعبي للقدس أن ما يجري يمكن قراءته ضمن سياسة أوسع لتغيير البيئة التعليمية والثقافية في القدس، ويصفه بأنه جزءا من مسار يستهدف تهويد الوعي والعقول الفتية . وهذه قراءة سياسية معلنة من جانبنا، بينما توثق مصادر أخرى، بصورة مستقلة، توسع المنهاج الإسرائيلي والرقابة على الكتب وربط التمويل والتطوير المدرسي في بعض الحالات باعتماد المدارس الرسمية للمنهاج الإسرائيلي. 

وتواجه المدارس التي تتمسك بالمنهاج الفلسطيني بيئة أكثر تعقيداً، خصوصاً مع استمرار النقص المزمن في الغرف الصفية والبنية التحتية. ووفق تقرير منظمة "عير أميم" عن التعليم في القدس الشرقية لعام 2025، كان هناك نقص أو قصور في 1,461 غرفة صفية، بينما تضمن مخطط حكومي إنشاء 1,204 غرف جديدة، ولم يكن قد أضيف فعلياً حتى ذلك الوقت سوى 20 غرفة. ويشير التقرير إلى أن وزارة التعليم والبلدية الاسرائيلتين اشترطتا أن تكون المدارس الجديدة الممولة في إطار الخطة الحكومية مدارس رسمية، وهي مدارس مطالبة بتدريس المنهاج الإسرائيلي.  

وهذا بدوره يخلق معادلة صعبة أمام المدارس الفلسطينية: حاجة متزايدة إلى الأبنية والموارد، مقابل ضغوط مالية وإدارية يمكن أن تجعل الحصول على الدعم مرتبطاً بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمسار المنهاج.

كما تظهر الأرقام الرسمية الإسرائيلية نفسها اتساع نطاق التحول. ففي كانون الثاني/يناير 2026 قالت وزارة التعليم الإسرائيلية إن جميع المؤسسات التعليمية الرسمية التابعة للوزارة أو بلدية القدس تدرس المنهاج الإسرائيلي، وإن 102 مدرسة كانت تدرسه، بما يمثل 36% من مجموع طلبة القدس الشرقية آنذاك.

ولعلنا هنا نشير الى ان من أخطر التطورات في العام الدراسي الحالي قضية المعلمين القادمين من الضفة الغربية. ففي 31 آب/أغسطس 2026 أعلنت المدارس الخاصة في القدس تعليق الدوام مع بداية العام الدراسي بسبب عدم تجديد تصاريح دخول عدد كبير من المعلمين وأفراد الطواقم التعليمية والمساندة. وأعلنت الأمانة العامة للمؤسسات التعليمية المسيحية في القدس أن أكثر من 70 معلماً وموظفاً تأثروا بالإجراء، الأمر الذي انعكس على التعليم والإدارة والخدمات الصحية والنظافة والسلامة.  

وتظهر أهمية هذه القضية عند النظر إلى تركيبة الكادر التعليمي. ففي بيانات قدمتها وزارة التعليم الإسرائيلية للجنة الكنيست في كانون الأول/ديسمبر 2024، كان 3,921 معلماً من أصل نحو 6,720 معلماً في التعليم العربي في القدس الشرقية من خريجي جامعات في الضفة الغربية، أي نحو 58%.  

كما أشارت مؤسسات تعليمية مسيحية إلى أن نحو 170 من أصل قرابة 900 معلم في المدارس المسيحية الخمس عشرة في القدس يأتون من الضفة الغربية، وهو ما يوضح مدى اعتماد هذه المؤسسات على هذا المورد البشري التعليمي.

وعليه، فإن منع المعلم من الوصول إلى مدرسته لا يؤثر في المعلم وحده؛ بل يعني أن عشرات آلاف الطلبة قد يفقدون حصص الرياضيات أو العلوم أو اللغات أو التخصصات الأخرى، وقد تضطر المدرسة إلى دمج الصفوف أو الاستعانة ببدائل أقل توافراً أو تأجيل بدء الدراسة.

قد يبدو إغلاق المدرسة ليوم أو أيام قليلة إجراءً مؤقتاً، لكن التعليم لا يعمل بهذه البساطة،فكل يوم دراسي مفقود يعني درساً مؤجلاً، وتراكماً في المنهاج، واضطراباً في خطة الامتحانات، وتراجعاً في التواصل بين الطالب والمعلم.

وقد وثقت منظمة "اليونيسف" أن أكثر من 150 ألف طفل في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، واجهوا خلال عام 2025 عوائق أمام الوصول إلى التعليم، وأن بعض الأطفال فقدوا ما يصل إلى عامين ونصف العام من التعليم نتيجة الإغلاقات المتقطعة والقيود الأمنية. كما أشارت إلى أن استمرار العنف والقيود على الحركة يؤدي إلى ضغوط نفسية تشمل الخوف واضطرابات النوم والتغيرات السلوكية وأعراضاً مرتبطة بالضغط والصدمة.  

وفي النصف الأول من عام 2026، وثق قطاع التعليم 224 حادثة مرتبطة بالتعليم في الضفة الغربية والقدس الشرقية، أثرت بصورة مباشرة في 152 مدرسة و20,450 طالباً و859 من العاملين في التعليم؛ وكان أكثر من نصف هذه الحوادث مرتبطاً بقيود الوصول والحركة.  

لذلك فإن الإغلاق لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الأيام التي لم يدخل فيها الطالب إلى الصف،بل هناك كلفة تعليمية ونفسية واجتماعية تراكمية: فقدان الروتين، تراجع الدافعية، تراكم الفجوات المعرفية، القلق بشأن المستقبل، وتراجع الإحساس بأن المدرسة مساحة آمنة ومستقرة.

وتؤدي المدارس الخاصة، ولا سيما المدارس المسيحية والمدارس التي تحافظ على مسارات تعليمية فلسطينية أو دولية، دوراً مهماً في النظام التعليمي المقدسي،لكن هذا الدور يأتي بكلفة يتحملها الأهالي في ظل أزمة اقتصادية متراكمة.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن المدارس الخاصة في محافظة القدس كان لديها في العام الدراسي 2024/2025 معدل يقارب 20 طالباً لكل معلم، فيما بلغ عدد الطلبة في المدارس التي تشرف عليها الجهات الفلسطينية في المحافظة 75,889 طالباً، مع استثناء المدارس التي تشرف عليها وزارة المعارف والبلدية الإسرائيليتان من هذا الرقم.  

أما الرسوم فتختلف بصورة كبيرة بين مدرسة وأخرى تبعاً لنوع المدرسة والبرنامج والمرحلة التعليمية. وبالنسبة للأسرة المقدسية، لا تتوقف الكلفة عند القسط المدرسي؛ فهناك النقل، والزي، والكتب، والقرطاسية، والأنشطة، والدروس الإضافية، فضلاً عن خسارة دخل محتملة عندما تضطر الأسرة إلى التعامل مع الإغلاقات أو تغير مواعيد الدراسة.

إن حماية المدارس الخاصة التي تؤدي دوراً وطنياً وتعليمياً لا تعني ترك الأهالي وحدهم أمام فاتورة التعليم، بل تستدعي إنشاء آلية دعم مستدامة للمدارس وللطلبة الأكثر احتياجاً. ومن المفارقات المؤلمة أن معركة التعليم في القدس تجري أيضاً على مستوى الكتاب المدرسي،فالمدرسة التي لا تحصل على الكتاب في الوقت المناسب تضطر إلى تصويره أو استخدام نسخ قديمة أو الاعتماد على مواد بديلة، في حين أن الكتاب الذي يصل إلى الطالب بعد التدقيق والحذف والتعديل قد لا يكون هو الكتاب الأصلي الذي أعده المختصون الفلسطينيون.

وتظهر الدراسة الأكاديمية المنشورة في 2026 أن الرقابة الإسرائيلية على الكتب الفلسطينية في القدس لم تقتصر على حذف عبارات بعينها، بل شملت إعادة صياغة موضوعات مرتبطة بتاريخ القدس والهوية الفلسطينية. 

وهنا يجب أن نكون واضحين: الطفل المقدسي يحتاج إلى كتاب مدرسي علمي، دقيق، ومتعدد المصادر، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى ألا يُطلب منه أن يتعلم تاريخ مدينته من خلال محو تاريخ أهله.

ولا تكتمل صورة المشهد من دون التوقف عند معهد قلنديا للتدريب المهني التابع للأونروا، الذي كان يوفر تعليماً مهنياً للاجئين الفلسطينيين. ففي آب/أغسطس 2026 سيطرت القوات الإسرائيلية على المعهد، وفق تقارير إعلامية، فيما قالت الأونروا إن نحو 350 طالباً كانوا يدرسون فيه خلال السنوات الأخيرة، وأصبح مصيرهم الدراسي غير واضح بعد السيطرة على المنشأة.  

وكانت القضية قد سبقتها في حزيران/يونيو تحذيرات من خطة إسرائيلية لإقامة مجمع تعليمي جديد على الأرض التي يوجد عليها المعهد، الذي يقع بين كفر عقب ومخيم قلنديا. 

يشار الى ان المعهدليس مجرد مبنى بل هو نموذج للتعليم المهني الذي أتاح لشباب من عائلات لا تستطيع تحمل كلفة التعليم الجامعي فرصة لاكتساب مهنة وشهادة. وإغلاق مثل هذه المؤسسة يضرب إحدى أهم أدوات العدالة الاجتماعية المتمثلة بإتاحة التعليم المهني لمن لا يستطيع تحمل تكاليف البدائل.

إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب من الجهات المسؤولة كافة وضع خطة تعليمية مقدسية متكاملة تقوم على عدة مسارات منها : ضمان انتظام العام الدراسي في جميع مدارس القدس، وعدم السماح بأن يصبح الوصول إلى المدرسة رهينة لإجراءات متغيرة تمس المعلمين أو الطلبة وضمان وصول المعلمين المؤهلين من الضفة الغربية إلى مدارس القدس، وإيجاد آلية قانونية مستقرة تمنع تكرار أزمة التصاريح مع كل عام دراسي وتأمين الكتاب المدرسي الفلسطيني الأصلي لجميع الطلبة، مع إنشاء صندوق خاص لطباعة الكتب وتوفيرها مجاناً أو بكلفة رمزية للطلبة من الأسر محدودة الدخل وإنشاء صندوق دعم للتعليم المقدسي يساهم في تخفيف أقساط المدارس الخاصة وتكاليف النقل والكتب والقرطاسية، بحيث لا يصبح الفقر سبباً لانتقال الطالب إلى مسار تعليمي لا تختاره أسرته وكذلك توفير غرف صفية جديدة للمدارس التي تتمسك بالتعليم الفلسطيني، وعدم ربط حق المدرسة في البنية التحتية أو الدعم المالي بتغيير المنهاج وحماية التعليم المهني، وفي مقدمة ذلك ضمان استمرار معهد قلنديا أو توفير بديل مكافئ للطلبة الذين فقدوا مقاعدهم فيه.
إن القدس تحتاج إلى مدرسة مفتوحة لا مغلقة، ومعلم حاضر لا ممنوع، وكتاب كامل لا محرّف، ومقعد دراسي متاح لكل طفل، وتعليم مهني لا يُغلق في وجه الشباب، ومدرسة لا تضطر إلى الاختيار بين الدعم المالي والحفاظ على هويتها التعليمية.

فحماية عقول أطفال القدس ليست قضية مؤسسة تعليمية بعينها، ولا مسؤولية الأهالي وحدهم، بل هي مسؤولية وطنية ومجتمعية وإنسانية، لأن الطفل الذي يفقد حقه في تعليم مستقر اليوم سيدفع ثمن ذلك في مستقبله غداً.

 *مسؤولة ملف التعليم في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس