واشنطن-اعداد : واثق نيوز- منذ نهاية الحرب الباردة، بدا أن الولايات المتحدة الامريكية وصلت إلى ذروة الهيمنة العالمية، حتى وصف بعض المنظرين تلك اللحظة بأنها “نهاية التاريخ”، باعتبار النموذج الأميركي الليبرالي الشكل النهائي للحضارة السياسية والاقتصادية. غير أن العقود الثلاثة الأخيرة، وخاصة بعد غزو العراق والأزمة المالية العالمية عام 2008، كشفت أن القوة الأميركية ليست مطلقة، وأن الإمبراطوريات ـ مهما بلغت عظمتها ـ تحمل في داخلها بذور التراجع.
السؤال اليوم لم يعد: هل تتراجع الولايات المتحدة؟ بل: ما طبيعة هذا التراجع؟ وهل هو انهيار شامل في القوة والقيم والأخلاق والاقتصاد، أم مجرد انتقال من مرحلة الهيمنة المطلقة إلى مرحلة التعددية القطبية؟
الولايات المتحدة لا تزال القوة الأكبر عالميا، لكنها تعاني من أزمة مركبة تمس البنية الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاستراتيجية في آن واحد، في مقابل صعود الصين اقتصاديا، وعودة روسيا عسكريا، وتحول العالم إلى ساحة صراع مفتوح على النفوذ والموارد والتكنولوجيا.
أولا: أزمة القيم والأخلاق… سقوط النموذج الأميركي
لطالما قدمت واشنطن نفسها بوصفها حاملة لواء الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن ممارساتها العملية أضعفت كثيرا من صدقية هذا الخطاب. فالحروب التي خاضتها في العراق وأفغانستان، والدعم غير المحدود لإسرائيل رغم الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، والعقوبات الاقتصادية التي طالت شعوبا بأكملها، كشفت ازدواجية عميقة بين الخطاب والممارسة.
لقد تحولت “القيم الأميركية” في نظر قطاعات واسعة من شعوب العالم إلى أداة سياسية تستخدم انتقائيا، وليست مبادئ إنسانية عالمية. فالولايات المتحدة تدين الاحتلال في مكان وتدعمه في مكان آخر، وتتبنى خطاب الحرية بينما تدعم أنظمة استبدادية حين تخدم مصالحها.
الحرب على غزة مثلت لحظة مفصلية في هذا السياق. فالدعم الأميركي العسكري والسياسي المفتوح لإسرائيل، رغم صور الدمار والمجازر والتجويع، أدى إلى انهيار أخلاقي غير مسبوق لصورة الولايات المتحدة، خاصة في الجنوب العالمي. الجامعات الأميركية نفسها شهدت تمردا داخليا ضد الإدارة الأميركية، في مؤشر على اتساع الفجوة بين المؤسسة الحاكمة والرأي العام.
إن أخطر ما تواجهه أميركا ليس تراجع قوتها العسكرية، بل تراجع “قوتها الناعمة”، أي قدرتها على إقناع العالم بشرعية قيادتها الأخلاقية.
ثانيا: التراجع الاقتصادي… نهاية الأحادية المالية؟
رغم أن الاقتصاد الأميركي ما يزال الأكبر عالميا من حيث الناتج الاسمي، فإن المؤشرات البنيوية تكشف أزمة عميقة:
- ديون أميركية تجاوزت مستويات تاريخية هائلة.
- اتساع الفجوة الطبقية وتآكل الطبقة الوسطى.
- انتقال الصناعات الثقيلة إلى آسيا.
- اعتماد الاقتصاد بشكل متزايد على المضاربات المالية والتكنولوجيا والخدمات.
- تراجع القدرة الإنتاجية التقليدية.
في المقابل، نجحت الصين خلال أربعة عقود في بناء نموذج اقتصادي هائل، قائم على التصنيع والتصدير والبنية التحتية والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى. لم تعد بكين مجرد “مصنع العالم”، بل أصبحت منافسا في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والفضاء.
مبادرة “الحزام والطريق” لم تكن مجرد مشروع اقتصادي، بل إعلان صيني عن إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية العالمية خارج الهيمنة الأميركية.
الأخطر بالنسبة لواشنطن هو أن الصين بدأت تدريجيا بتقويض احتكار الدولار للنظام المالي العالمي، عبر التبادل بالعملات المحلية، وتوسيع نفوذ مجموعة “بريكس”، وإنشاء مؤسسات مالية بديلة عن النظام الغربي التقليدي.
لكن من الخطأ الاعتقاد أن الصين ستسقط الولايات المتحدة اقتصاديا قريبا. فما تزال أميركا تملك:
- الدولار كعملة احتياط عالمية.
- أضخم مؤسسات التكنولوجيا والمال.
- نفوذ هائل على المؤسسات الدولية.
- قدرة كبيرة على الابتكار وجذب العقول.
لذلك فإن ما نشهده ليس انهيارا اقتصاديا أميركيا بالمعنى الكلاسيكي، بل تآكل تدريجي للاحتكار الأميركي للاقتصاد العالمي.
ثالثا: روسيا والتحدي العسكري… هل انتهى التفوق الأميركي؟
الحرب الأوكرانية كشفت تحولات مهمة في ميزان القوى العالمي. فرغم العقوبات الغربية غير المسبوقة، لم تنهَر روسيا، بل استطاعت إعادة تنظيم اقتصادها العسكري، والحفاظ على قدراتها الاستراتيجية، وفرض حرب استنزاف طويلة على الغرب.
في المقابل، بدا واضحا أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على حسم الحروب الكبرى كما فعلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فالتفوق العسكري الأميركي الهائل لم يمنع الهزيمة السياسية في أفغانستان، ولم ينجح في إخضاع روسيا، ولم يتمكن من ردع قوى إقليمية أصغر في مناطق متعددة.
روسيا تدرك أنها لا تستطيع منافسة أميركا اقتصاديا، لكنها تراهن على:
- التفوق النووي والتكنولوجي العسكري.
- استنزاف الغرب.
- بناء تحالفات مع الصين وإيران وقوى الجنوب العالمي.
- تفكيك النظام الأحادي القطبية.
وقد أثبتت موسكو أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لفرض الهيمنة، وأن عصر “الحروب السهلة” الأميركية قد انتهى.
رابعا: الانقسام الداخلي الأميركي… الإمبراطورية من الداخل
التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات غالبا لا تسقط بسبب الأعداء الخارجيين فقط، بل بسبب التشقق الداخلي.
الولايات المتحدة تعاني اليوم من:
- استقطاب سياسي حاد.
- صعود الشعبوية واليمين المتطرف.
- أزمة ثقة بالمؤسسات.
- تفكك اجتماعي وثقافي.
- تصاعد العنصرية والعنف الداخلي.
- صراع بين الدولة العميقة والتيارات الشعبوية.
مشاهد اقتحام الكونغرس عام 2021 لم تكن حادثا عابرا، بل إنذار بأن الديمقراطية الأميركية نفسها دخلت مرحلة اهتزاز.
المفارقة أن واشنطن التي كانت تقدم نفسها كمرجع للاستقرار السياسي، أصبحت تعاني من أزمة هوية وطنية حقيقية، وسط انقسام حاد حول معنى أميركا نفسها ودورها العالمي.
خامسا: هل نحن أمام سقوط أميركي أم إعادة تموضع؟
رغم كل مظاهر التراجع، من المبكر الحديث عن انهيار أميركي كامل شبيه بسقوط الاتحاد السوفيتي. فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك:
- أقوى شبكة تحالفات عالمية.
- أكبر نفوذ إعلامي وثقافي.
- تفوق علمي وتكنولوجيا ضخم .
- حضور عسكري عالمي .
- قدرة هائلة على إعادة إنتاج القوة.
لكن المؤكد أن العالم يتغير. ما يتراجع فعليا هو قدرة واشنطن على الانفراد بقيادة النظام الدولي دون منافسين.
إننا نعيش مرحلة انتقال تاريخية من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية، حيث تتقدم الصين اقتصاديا، وتتمرد روسيا عسكريا، وتبحث قوى الجنوب العالمي عن استقلال سياسي واقتصادي أكبر.
وفي هذا التحول، تبدو الولايات المتحدة كقوة عظمى ما تزال قوية، لكنها مرهقة، متناقضة، وتواجه أزمة عميقة في شرعية مشروعها العالمي.
ختاما :
الولايات المتحدة لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء تحت ثقل التناقضات الداخلية والحروب الخارجية والأزمات الأخلاقية والاقتصادية. وما يجري اليوم ليس سقوطا فوريا للإمبراطورية الأميركية، بل بداية نهاية عصر الهيمنة المطلقة.
الصين لا تريد حربا عالمية، بل تريد وراثة النفوذ الاقتصادي. وروسيا لا تستطيع قيادة العالم، لكنها قادرة على تعطيل المشروع الأميركي. أما واشنطن، فتقاتل اليوم للحفاظ على نظام عالمي صنعته بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه لم يعد قادرا على البقاء بالشكل نفسه.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تستطيع الولايات المتحدة إصلاح أزماتها الداخلية وإعادة بناء مشروعها الأخلاقي والسياسي، أم أن التاريخ بدأ بالفعل يكتب الفصل الأخير من العصر الأميركي؟