ومنذ إطلاق الاحتلال الإسرائيلي عملية “السور الحديدي” مطلع عام 2025، تحولت مخيمات شمال الضفة إلى ساحات حرب مفتوحة، تجاوزت فيها العمليات العسكرية فكرة “الملاحقة الأمنية” نحو إعادة تشكيل المخيمات ديمغرافياً وعمرانياً وأمنياً. وتشير تقديرات فلسطينية وأممية إلى نزوح أكثر من 40 ألف فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وسط تدمير واسع للبنية التحتية والمساكن والمنشآت الاقتصادية.
في مخيم جنين، الذي يُعد أحد أبرز رموز المقاومة الفلسطينية تاريخياً، تبدو آثار الدمار هائلة. جرافات الاحتلال شقت طرقاً عسكرية واسعة داخل المخيم بعد تدمير عشرات المنازل وتجريف معظم الشوارع، فيما تحدث مسؤولون فلسطينيون عن “محوٍ متعمد” للهوية العمرانية للمخيم. وكشف تحليل بصري نشرته وسائل إعلام وتقارير بحثية أن الاحتلال أنشأ طرقاً عسكرية داخلية بطول يتجاوز أربعة كيلومترات، ما أدى عملياً إلى تقسيم المخيم وعزل أحيائه عن بعضها البعض.
أما في طولكرم ونور شمس، فقد تحولت حياة الأهالي إلى رحلة نزوح طويلة. آلاف العائلات تعيش اليوم في مدارس وقاعات ومنازل مستأجرة أو لدى أقارب، بينما يواجه كثيرون أوضاعاً إنسانية ونفسية قاسية، خصوصاً مع استمرار منع العودة إلى المخيمات. ووفق تقديرات اللجان الشعبية، فقد نزح أكثر من 27 ألف فلسطيني من مخيمي طولكرم ونور شمس ومحيطهما، في حين دُمرت مئات الوحدات السكنية والمحلات التجارية والبنى التحتية بشكل شبه كامل.
نزوح مأساوي ..
وتنقل شهادات الأهالي صورة مأساوية عن واقع النزوح. إحدى النازحات من مخيم نور شمس قالت إن العائلات “تعيش حالة تشتت دائمة”، بينما وصف آخرون أنفسهم بأنهم “نازحون مطرودون” لا يعرفون إن كانوا سيعودون إلى بيوتهم أم لا. كما تحدث نازحون عن إخراجهم ليلاً تحت تهديد السلاح، واضطرار عائلات كاملة للسكن في خيام أو منازل مؤقتة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
فلسطينياً، تتصاعد التحذيرات من أن ما يجري يتجاوز العمليات العسكرية المؤقتة نحو مشروع سياسي وأمني طويل الأمد يستهدف قضية اللاجئين نفسها. محافظ طولكرم عبد الله كميل اعتبر أن تمديد العمليات العسكرية يمثل “إصراراً على مواصلة الجريمة بحق المخيمات”، فيما وصفت مؤسسات فلسطينية ما يجري بأنه جزء من “مخطط تهجير وتصفية” للمخيمات الفلسطينية في شمال الضفة.
كما ترى جهات فلسطينية وحقوقية أن الاحتلال يسعى إلى إنهاء الخصوصية السياسية والتنظيمية للمخيمات بوصفها حواضن وطنية ورمزاً تاريخياً لحق العودة. وتؤكد تقارير حقوقية أن استهداف المخيمات يجري بصورة ممنهجة عبر تحويلها إلى مناطق مكشوفة عسكرياً، وشق طرق واسعة تسهّل حركة الآليات العسكرية وتمنع إعادة تشكل البنية التنظيمية للمقاومة داخلها.
في المقابل، تبرر إسرائيل عمليات الهدم بأنها جزء من “ضرورات أمنية” تهدف إلى تفكيك البنية المسلحة في المخيمات. ووفق تصريحات إسرائيلية رسمية، فإن الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته لإزالة العبوات الناسفة وتوسيع الطرق وتأمين حرية الحركة لقواته داخل المخيمات. كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن أن الجيش قام بتفتيش مئات المباني والعثور على متفجرات ومراكز مراقبة ومختبرات تصنيع عبوات خلال اقتحاماته المتكررة. حسب زعمه .
وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس كان قد وجّه، بحسب تقارير إعلامية، ببقاء القوات الإسرائيلية داخل مخيمات شمال الضفة لفترات طويلة، في مؤشر على أن الاحتلال يتعامل مع هذه المناطق باعتبارها ساحات خاضعة لإعادة هندسة أمنية كاملة. كما أظهرت المعطيات الإسرائيلية استمرار إصدار أوامر هدم جديدة لعشرات المباني في جنين ونور شمس وطولكرم، حتى بعد تهجير السكان منها.
ويرى مراقبون أن ما يحدث في المخيمات الثلاثة يحمل أبعاداً تتجاوز اللحظة الأمنية الراهنة، ليقترب من محاولة إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمخيم الفلسطيني في الضفة الغربية. فالمخيم الذي شكّل لعقود عنواناً للجوء والذاكرة الوطنية والمقاومة الشعبية، يتعرض اليوم لعملية تفكيك مركبة: عمرانياً عبر الهدم، وديمغرافياً عبر التهجير، وسياسياً عبر محاولة إنهاء رمزيته الوطنية.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، يبقى آلاف النازحين الفلسطينيين عالقين بين فقدان البيت والخوف من ضياع المخيم نفسه، بينما تتحول أسئلة العودة وإعادة الإعمار إلى قضية مفتوحة على صراع طويل يتجاوز حدود الجغرافيا نحو استهداف الرواية الفلسطينية وحق اللاجئين التاريخي.
ما هو مصير المشردين ؟..
ويبدو أن السؤال الأخطر اليوم لم يعد فقط: ماذا حلّ بالمخيمات؟ بل ماذا سيكون مصير عشرات آلاف المشردين الذين اقتلعوا منها؟ فمع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتوسّع أوامر الهدم، وغياب أي أفق زمني واضح للعودة، يعيش النازحون حالة من القلق الوجودي، خشية أن يتحول النزوح المؤقت إلى تهجير دائم يعيد إنتاج نكبة جديدة داخل الضفة الغربية نفسها.
وفي مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين، لا يخفي النازحون خشيتهم من أن يكون منع العودة جزءاً من سياسة إسرائيلية مدروسة تهدف إلى تفريغ المخيمات تدريجياً من سكانها. بعض العائلات ما زالت تحتفظ بمفاتيح منازلها وأوراقها الثبوتية على أمل العودة القريبة، بينما يزداد الواقع قسوة مع مرور الوقت، خصوصاً بعد تدمير أحياء كاملة وتحويل أجزاء من المخيمات إلى مناطق عسكرية مغلقة.
وتحذر جهات فلسطينية من أن الاحتلال يسعى إلى فرض “واقع ديمغرافي جديد” داخل المخيمات، عبر تقليص الكثافة السكانية ومنع إعادة البناء لاحقاً. كما تحدثت تقارير وتحليلات فلسطينية عن تسريبات إسرائيلية تشير إلى نية السماح بعودة جزئية فقط للسكان، وربط ذلك باعتبارات أمنية وفحوصات ميدانية، وهو ما تعتبره المؤسسات الفلسطينية محاولة لإعادة تعريف المخيم نفسه بوصفه مجرد تجمع سكاني منزوع الطابع السياسي والوطني.
قلق متزايد ..
وفي هذا السياق، يزداد القلق من أن يؤدي استمرار تهجير سكان المخيمات إلى ضرب البنية الاجتماعية الفلسطينية التي تشكلت تاريخياً داخل هذه المخيمات، والتي قامت على الترابط العائلي والسياسي والوطني. فالمخيم بالنسبة للاجئين الفلسطينيين ليس مجرد مكان للسكن، بل عنوان لذاكرة اللجوء وحق العودة والهوية الوطنية، ولذلك يرى كثير من الفلسطينيين أن استهداف المخيمات يحمل أبعاداً تتجاوز العمل العسكري نحو محاولة تفكيك الوعي الجمعي للاجئين أنفسهم.
وفي المقابل، تواصل إسرائيل الحديث عن “ضرورات أمنية طويلة الأمد”، حيث أعلن كاتس في تصريحات سابقة أنه لن يسمح بعودة ما وصفه بـ”الإرهاب” إلى المخيمات، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية تستعد للبقاء لفترات طويلة داخل مناطق شمال الضفة. هذه التصريحات عززت مخاوف الفلسطينيين من أن يتحول النزوح الحالي إلى واقع دائم، خاصة مع استمرار عمليات الهدم والتجريف ومنع السكان من الوصول إلى بيوتهم حتى بعد انتهاء الاقتحامات المباشرة.
وبين الخيام المؤقتة وغرف الإيواء المكتظة وحنين العودة، يعيش آلاف الفلسطينيين اليوم معركة يومية من أجل البقاء، بينما يبقى مصيرهم معلقاً بين إرادة العودة وسياسات الاحتلال التي تبدو مصممة على إعادة تشكيل المخيم الفلسطيني بالقوة العسكرية والتهجير القسري.